سؤال المجتمع المدني

This article is not available in English, but the Arabic version is available

تُطرح عدة تساؤلات بخصوص المجتمع المدني: تعريفه، ونشأته في الفكرين الغربي والعربي1، وعناصره، وأدواره، ونشاطاته الخ. سنحاول الإجابة في هذا المقال على بعض هذه التساؤلات بغية تبيان حقيقة المجتمع المدني ودوره على مختلف الأصعدة.

1- تعريف المجتمع المدني:

يوجد عدة مقترحات بخصوص تعريف المجتمع المدني. فنجد على سبيل المثال اقتراحا للبنك الدولي يعتبر المجتمع المدني: "مجموعة كبيرة من المنظمات غير الحكومية والمنظمات التي لا تهدف إلى الربح. ويكون لتلك المنظمات وجودٌ في الحياة العامة، وتنهض بعبء التعبير عن اهتمامات وقيم أعضائها أو الآخرين، استناداً إلى اعتبارات أخلاقية، أو ثقافية، أو سياسية، أو علمية، أو دينية، أو خيرية"2.

ويمكن بدورنا أن نقترح تعريفا لمفهوم المجتمع المدني، فهو: "تجمع مجموعة من الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين في كيانات مستقلة، يوعملون بشكل تطوعي، وتجمعهم أهداف مشتركة، ويمارسون نشاطات غير تجارية أو ربحية، ويسعون إلى تحقيق هذه أهدافهم المشتركة بالوسائل المشروعة قانونيا، واقتصاديا، وسياسيا، واجتماعيا، وثقافيا".

2- عناصر المجتمع المدني:

يوجد أيضا مجموعة من المقترحات بخصوص مكونات أو عناصر المجتمع المدني. فنجد على سبيل المثال ما اقترحته المفوضية الأوروبية، ومقرها العاصمة البلجيكية (بروكسل)، حيث اعتبرت بأنه: "يجمع خاصة المنظمات النقابية، ومنظمات أصحاب الأعمال، والمنظمات غير الحكومية، والجمعيات المهنية، والمنظمات الإنسانية، والمنظمات الأساسية، والمنظمات التي تشجع على مشاركة المواطنين في الحياة المحلية والبلدية، مع مشاركة الكنائس والتجمعات الدينية"3.

أما بالنسبة للبنك الدولي فإن مصطلح منظمات المجتمع المدني يشير إلى مجموعة كبيرة من المنظمات تضم: جمعيات المجتمعات المحلية، والمنظمات غير الحكومية، والنقابات العمالية، ومجموعات السكان الأصليين، والمنظمات الخيرية، والمنظمات الدينية، والنقابات العمالية، والمؤسسات4.

وأوضحت بدورها المفوضية السامية لحقوق الإنسان في جنيف بعض عناصر المجتمع المدني5، فهم، وبالإضافة إلى عناصر أخرى:

1) المدافعون عن حقوق الإنسان6.

2) المنظمات غير الحكومية.

3) المؤسسات الوطنية المستقلة لحقوق الإنسان7.

4) رابطات ومجموعات الضحايا وأقاربهم.

5) التحالفات والشبكات المهتمة بحقوق المرأة، والطفل، وذوي الإعاقة، وكبار السن، والحقوق البيئة.

6) المجموعات المجتمعية كالأقليات والشعوب الأصلية.

7) المجموعات القائمة على أساس ديني كالجمعيات الدينية.

8) الاتحادات والنقابات والأحزاب والرابطات المهنية.

9) الحركات الاجتماعية كحركات السلام والطلبة ومناصرة الديمقراطية.

10) المهنيون الذين يساهمون مباشرة في التمتع بحقوق الإنسان مثل: العاملين الإنسانيين، والمحامين، والأطباء والعاملين الطبيين.

11) المؤسسات العامة التي تبذل أنشطة بهدف تعزيز حقوق الإنسان كالمدارس والجامعات والهيئات البحثية.

12) الأحزاب والتجمعات السياسية.

3- أهداف المجتمع المدني:

تعمل عناصر المجتمع المدني، وكل في مجال اختصاصه على:

1) تشجيع حقوق الإنسان وحمايتها.

2) تعزيز سيادة القانون.

3) تعزيز السلم الأهلي.

4) المساهمة في تحقيق العدالة الانتقالية.

5) حماية البيئة ومكافحة الاحتباس الحراري.

6) الدفع بعمليات التنمية بمختلف أشكالها: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية.

7) حماية حقوق مختلف الفئات الهشة كالمرأة، والطفل، والمعاقون، وكبار السن.

8) المشاركة بعملية الاستعرض الدوري الشامل أمام مجلس حقوق الإنسان.

9) التعاون بغرض تنفيذ أحكام بعض الاتفاقيات الدولية، على سبيل المثال: اتفاقية مجلس أوروبا8 لمكافحة الاتجار بالبشر الذي اعتمدتها منظمة مجلس أوروبا، بتاريخ 16/5/2005، ودخلت حيز النفاذ في 1/2/20089، وهي اتفاقية أوروبية مفتوحة يمكن للدول غير الأعضاء في منظمة مجلس أوروبا الانضمام إليها والالتزام بها10. وطلبت المادة 35 من هذه الاتفاقية من الدول الأطراف فيها التعاون مع المجتمع المدني11.

10) إعداد التقارير المضادة أو تقارير الظل التي تقدم للجان المعنية لحقوق الإنسان، وكذلك إلى لجنة الميثاق العربي لحقوق الإنسان.

4- نشاطات المجتمع المدني:

يوجد عدة نشاطات للمجتمع المدني، وسنعطي مثالا سبق وتطرقنا إليه في إحدى مقالاتنا عن دور المجتمع المدني إزاء هيئات الاتحاد الأوروبي، لوجدنا بأن بعض الدراسات التي أُجريت في بلدان هذا الاتحاد قد أظهرت أن المواطنين يشعرون بنوع من "العجز الديمقراطي" بخصوص دور هذه الهيئات ونشاطاتها، وتأثيرها على حياتهم اليومية، وأن المجتمع المدني يحاول، من جهته، أن يعّوض هذا العجز من خلال ما يقدمه من مقترحات، أو ما يقوم به من ضغوطات على هذه الهيئات بقصد اتخاذ قرارات تستجيب لمتطلبات هؤلاء المواطنين وتلبي تطلعاتهم واحتياجاتهم، ولتتحقق بهذا الشكل "الديمقراطية المباشرة" والمتمثلة بالمجتمع المدني وهو ما يمكن أن يعوض قصور "الديمقراطية التمثيلية" التي تجسدها هيئات الاتحاد الأوروبي في مجالات شتى.

ويشكل البرلمان الأوروبي، ومقره مدينة ستراسبورغ الفرنسية، المكان الأوسع والأنسب الذي يمارس فيه اللوبي الأوروبي نشاطاته12، ويقوم المجتمع المدني باختلاف مكوناته أو أشخاصه بالتواصل بشكل دائم مع المجموعات السياسية داخل هذا البرلمان، وذلك من خلال الحوار وتبادل الآراء والأفكار والمعلومات. كما يقوم هذا المجتمع بالضغط والتأثير، ولعب دور يخدم أهداف هذه المكونات وأغراضها13، والتي تصب في آخر المطاف لصالح المواطنين والمقيمين أيضا داخل دول هذا الاتحاد.

ونستطيع أيضا أن نتساءل عما إذا كان يمكن لبعض عناصر المجتمع المدني: كالمنظمات غير الحكومية أن تلعب دورا مؤثرا لتعويض تقصير جامعة الدول العربية ومعظم هيئاتها ووكلاتها بالقيام بالأدوار المأمولة منها.

5- المجتمع المدني كسلطة خامسة

تسألنا في إحدى المقالات عما إذا كان ممكنا اعتبار المجتمع المدني كسلطة خامسة؟14، وأوضحنا بداية بأن نظام الحكم في أية دولة يعتمد على ثلاث سلطات: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية. ومن المؤكد بأنه كلما تمتعت كل من هذه السلطات باستقلاليتها وحيادها ونزاهتها، وكلما حرصت السلطة التنفيذية في دولة ما على عدم التدخل في مجالات السلطتين الآخرتين، فيمكننا القول بأن هذه الدولة تحترم سيادة القانون وتحرص عليها فعليا.

ويجرى الحديث في مختلف الدول، ومنذ عدة عقود، عن السلطة الرابعة والمتمثلة في العديد من وسائل الإعلام ودورها في الرقابة والمتابعة والنقد والاستقصاء والنشر، بل ويتم الحديث منذ سنوات عن مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، وعن دور المؤثرين الذين يُنظر إليهم كجزء من هذه السلطة الرابعة.

6- أدوار للمجتمع المدني

يمكن أن نشير إلى عدة أدوار يمكن أن يلعبها المجتمع المدني، نذكر منها على صعيد المنظمات الأوروبية:

أ) ولو تسألنا الآن عن دور المجتمع المدني إزاء هيئات الاتحاد الأوروبي، لوجدنا بأن بعض الدراسات التي أُجريت في بلدان هذا الاتحاد قد أظهرت أن المواطنين يشعرون بنوع من "العجز الديمقراطي" بخصوص دور هذه الهيئات ونشاطاتها، وتأثيرها على حياتهم اليومية، وأن المجتمع المدني يحاول، من جهته، أن يعّوض هذا العجز من خلال ما يقدمه من مقترحات، أو ما يقوم به من ضغوطات على هذه الهيئات بقصد اتخاذ قرارات تستجيب لمتطلبات هؤلاء المواطنين وتلبي تطلعاتهم واحتياجاتهم، ولتتحقق بهذا الشكل "الديمقراطية المباشرة" والمتمثلة بالمجتمع المدني وهو ما يمكن أن يعوض قصور "الديمقراطية التمثيلية" التي تجسدها هيئات الاتحاد الأوروبي في مجالات شتى.

ب) مثال آخر وجود هيئة تمثيلية تابعة لمنظمة مجلس أوروبا ومقرها مدينة ستراسبورغ الفرنسية وتضم 46 دولة أوروبية، وهذه الهيئة معروفة باسم: مؤتمر المنظمات الدولية غير الحكومية، وهو يتمتع بوضع مشارك في هذه المنظمة الأوروبية الإقليمية ويساهم في نشاطاتها15.

ج) يمكن للمنظمات غير الحكومية أن تلعب دورها على الصعيد الدولي، وكمثال من بين عدة أمثلة: تقديم معلومات موثوقة وأدلة ووثائق إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية عن تورط أفراد، من دولة طرف في نظام هذه المحكمة أو دولة قبلت باختصاص هذه المحكمة، أو ارتكابهم لجرائم نص عليها نظامها، على أراضي إحدى هذه الدول، بقصد فتح تحقيق في هذه الجرائم.

ونرى بذلك الدور الحيوي والعملي والهام لمنظمات المجتمع المدني، وكيف يمكن أن تكون مفيدة وفعّالة وطنيا وإقليميا ودوليا في عدة مجالات لصالح الأفراد والمجتمعات والدول أيضا. فيجب أن تتاح الفرص دائما للمجتمع المدني ومختلف مكوناته للعب دورها فهم صمام أمان الدولة وعنصر حاسم في استقرارها وازدهارها ونموها.

خاتمة

لا يمكن إنكار أهمية المجتمع المدني، بمختلف عناصره، في القيام بأداور أساسية وحيوية في عدة مجالات داخل منظومة الدول، والمجتمع الدولي، والمنظمات الدولية والإقليمية.

ولعل الحاجة لترسيخ أهمية المجتمع المدني، وتعزيز أدواره، هي أمور أكثر ألحاحا وأهمية في الدول العربية بالذات وفي هذه المرحلة الصعبة التي تعيشها غالبية هذه الدول، لأننا لا نستطيع القول، ومقارنة بالدول الأخرى والغربية منها خاصة، بأن المجتمع المدني يحظى بالفعل بالاهتمام والدعم والانتشار، وهي عوامل أساسية لنجاحه بالقيام بالمهام المأمولة منه.



[1] انظر في هذا الخصوص، المجتمع المدني في الوطن العربي ودوره في تحقيق الديمقراطية، بحوث ومناقشات الندورة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، منشورات مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، 1992.

[2] انظر هذا التعريف على موقع البنك الدولي:

http://www.albankaldawli.org

[3] ترجمة كاتب المقالة عن:

B. CASSEN, L. WEBER, Elections européennes, mode d’emploi, Bellecombe-en-Bauges édition du Croquant, 2009, p. 110.

[4] انظر، محمد أمين الميداني، "مقاربة غربية لمفهوم "المجتمع المدني"، مقال منشور موقع (الجماعة العربية للديمقراطية)، شباط/فبراير 2012.

[5] انظر، العمل مع برنامج الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، دليل للمجتمع المدني، الأمم المتحدة، نيويورك وجنيف، 2008، ص vii.

[6] يمكن الاطلاع على إعلان الأمم المتحدة لحماية المدافعين عن حقوق الإنسان، والذي تم اعتماده في 10/12/1998، على الرابط، تاريخ الاطلاع: 17/10/2026:

https://hrlibrary.umn.edu/arab/hrdef.htm1

كما يوجد مقرر خاص معني بالمدافعين عن حقوق الإنسان، يمكن الاطلاع على التفاصيل على الرابط، تاريخ الاطلاع 17/10/2026:

https://www.ohchr.org/ar/special-procedures/sr-human-rights-defenders

[7] انظر بخصوص الهيئات الوطنية لحقوق الإنسان، محمد أمين الميداني، "مدخل إلى تأسيس مؤسسة وطنية سورية لحقوق الإنسان"، نُشرت هذه الدراسة على موقع المركز العربي للتربية على القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، تاريخ النشر 27/2/2025، على الرابط:

https://acihl.org/articles.htm?article_id=89

[8] انظر بخصوص منظمة مجلس أوروبا، محمد أمين الميداني، منظمة مجلس أوروبا. أهدافها، هيئاتها، وحماية حقـوق الإنسـان وتعزيزها، الطبعة الأولى، منشورات شركة المؤسسة الحديثة للكتاب، طرابلس، لبنان، 2018. (لاحقا، الميداني، منظمة مجلس أوروبا).

[9] انظر الترجمة العربية لهذه الاتفاقية في: مصنف لائحة الاتفاقيات والنصوص الأساسية لمجلس أوروبا في مجال حقوق الإنسان. مكافحة الاتجار بالبشر، مناهضة التعذيب، مكافحة العنف ضد النساء والأطفال، مجلس أوروبا، المندوبية الوزارية لحقوق الإنسان، الرباط (من دون تاريخ)، ص 12 وما بعدها.

وانظر بخصوص مواد هذه الاتفاقية وآليتها، محمد أمين الميداني، النظام الأوروبي لحماية حقوق الإنسان، الطبعة الخامسة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، ص 432 وما بعدها. (لاحقا، الميداني، النظام الأوروبي لحماية حقوق الإنسان).

[10] انظر، محمد أمين الميداني، ""المنظمات الإقليمية وانضمام دول أعضاء فيها ودول غير أعضاء لاتفاقيات حقوق الإنسان: منظمة مجلس أوروبا نموذجا"، (المجلة العربية للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان)، مجلة سنوية إلكترونية تصدر عن المركز العربي للتربية على القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، ستراسبورغ، فرنسا، العدد 4 كانون الأول/ديسمبر 2021، ص 191 وما بعدها.

[11] انظر بخصوص اتفاقية مجلس أوروبا لمكافحة الاتجار بالبشر، الميداني، النظام الأوروبي لحماية حقوق الإنسان، ص 432.

[12] مصطلح (اللوبي/Lobby)، وهو مصطلح أكثر شيوعا واستعمالا في الدول الأنغلوسكسونية وبخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكنه يستخدم في إطار عمل الهيئات الأوروبية ليعبر عن تأثير المجتمع المدني وضغوطه على هذه الهيئات بقصد اتخاذ هذا الموقف أو ذاك، أو إصدار قرار بعينه دون غيره.

[13] تواجهه المفوضية الأوروبي والبرلمان الأوروبي ضغوط 20.000 لوبي، انظر:

CASSEN, WEBER, op.cit., p. 107.

[14] انظر، محمد أمين الميداني، "السلطة الخامسة: المجتمع المدني ومنظماته"، جريدة (الجريدة)، الكويت، الكويت، 24/11/2025.

[15] انظر بخصوص هذه الهيئة:

https://www.coe.int/fr/web/ingo

back