سؤال في تعريف الأقليات

This article is not available in English, but the Arabic version is available

يكثر الحديث وبخاصة بعد انهيار النظام الأسدي الذي حكم سورية بالحديد والنار طوال أكثر من نصف عقد من الزمن، ناهيك عن السنوات التي بدأت بانقلاب عام 1963 وما تبعه من انقلابات وصولا لتمكن الحكم الأسدي من السيطرة على البلاد والعباد اعتبارا من عام 1970؛ نقول يكثر الحديث عن قضايا الأقليات وحقوقها وأوضاعها ومصيرها في مستقبل سورية الجديدة.

أردنا أن نسلط الأضواء في هذا المقال وبشكل علمي وموثق على بعض جوانب عن هذه القضايا الحساسة بالتركيز فقط على المساعي والمحاولات المتعلقة بتعريف مصطلح "الأقليات" تاركين جانبا الجوانب الأخرى التي لها أيضا أهميتها وحساسيتها، ولعلنا نتطرق إليها في مقالات أخرى.

أولا: نظرة تاريخية مع تاريخ عصبة الأمم

اهتم المجتمع الدولي بموضوع حماية الأقليات منذ القرن التاسع عشر وتمثل ذلك في وثائق تم اعتمادها في نهاية مؤتمر فينا لعام 1815، ومؤتمر برلين لعام 1878 1.

وسجلت نهاية الحرب العالمية الأولى بعض التقدم فيما يخص حماية حقوق الإنسان وذلك بفضل نظام "الأقليات" 2. ولعبت عصبة الأمم 3 دورا هاما في تطوير نظام حماية الأقليات 4. حيث سمحت للأفراد بتقديم شكاوى، مما سمح بالنظر إليهم كأشخاص يتمتعون بكيان قانوني دولي 5.

كما أبرمت خمس معاهدات تتعلق بالأقليات بين عامي 1919 و1920، ناهيك عن بعض المعاهدات الثنائية كتلك التي عقدت بين ألمانيا وبولونيا عام 1922، أو الإعلانات الفردية التي انضمت بموجبها بعض البلدان كألبانيا وفنلندا والعراق إلى عصبة الأمم 6.

لكن بحثت كل هذه المعاهدات والإعلانات في حقوق الأقليات كأشخاص ينتمون إلى عرق معين، أو يدينون بديانة ما، أو يتحدثون بلغة خاصة، هذا من ناحية. وأقرت المعاهدات والإعلانات لهؤلاء الأشخاص، من ناحية أخرى، حماية اختيارية خاصة وليست بحماية عامة ودولية كما أصبح عليه الوضع بعد الحرب العالمية الثانية.

وهذا ما سمح لاحقا، ولأسباب عديدة، بالقول بأن نظام الحماية الذي اعتمدته عصبة الأمم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية قد ثبت فشله، ولم يكن له صفة دولية 7، وذلك على الرغم من الإمكانية المتاحة لتقديم شكاوى حكومية وأخرى فردية إلى مجلس عصبة الأمم عن طريق الأمين العام لهذه العصبة.

ثانيا: مع تأسيس منظمة الأمم المتحدة

تم التوقيع عليه في مدينة سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأمريكية بتاريخ 26/6/1945، ودخل حيز التنفيـذ في 24/10/1945. وكان الوفد السوري برئاسة فارس الخوري 8 من عداد الوفود التي شاركت في أعمال مؤتمر سان فرانسيسكو، وبذلك تكون سورية من الدول المؤسسة لمنظمة الأمم المتحدة.

اعتبر بعض فقهاء القانون الدولي وحقوق الإنسان، وبعد أن اعتمدت منظمة الأمم المتحدة العديد من الاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، أن أسس تقديم الشكاوى الفردية التي نصت عليه لاحقا عدد من هذه الاتفاقيات الدولية وكذلك الاتفاقيات الإقليمية لحماية حقوق الإنسان التي اعتمدتها العديد من المنظمات الإقليمية 9؛ هذه الأسس قد استوحت العديد من موادها وفقرتها من نظام الشكاوى الذي كان متبعا أمام مجلس عصبة الأمم 10.

وهو ما سمح بالقول لاحقا بأنه لا يوجد تعريف دولي واحد متفق عليه لمفهوم (الأقليات) 11، وتتم الإشارة إلى عوامل موضوعية مثل وجود أثنية، أو لغة، أو ديانة مشتركة، وعوامل ذاتية 12، يمكن أن تسمح بتحديد أقلية معينة والبحث في حقوقها. حيث يشير إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو أثنية وإلى أقليات دينية ولغوية في المادة 1 منه إلى الأقليات باعتبار هويتها القومية أو الأثنية، أو الثقافية أو الدينية أو اللغوية، ولزوم حماية الدول لوجود تلك الأقليات 13. ولكن يوجد في المقابل عدة مقترحات فقهية وأخرى قدمتها بعض المنظمات الدولية لإيجاد تعريف لمفهوم الأقليات 14. وأعطت مثلا المفوضية السامية لحقوق الإنسان تعريفا لمصطلح "الأقلية" على أنه: "مجموعة أثنية أو دينية لغوية أو ثقافية عدد أفرادها أقل بكثير من بقية السكان الذين يتقاسمون هوية وحقوق مشتركة" 15.

وجاء ذكر للأقليات، وعلى سبيل المثال، في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 16/12/1966، ودخل حيز النفاذ في 23/3/1976. وصادقت سورية على هذا العهد في 21/4/1969. فقد نصت المادة 27 منه على ما يلي: "لا يجوز، في الدول التي توجد فيها أقليات اثنية أو دينية أو لغوية، أن يحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائره أو استخدام لغتهم، بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم". ونرى بذلك بأنه تم الاعتراف بحق الأقليات بالتمتع بعدة حقوق وحريات ولكن لم يتم تعريف مفهوم "الأقليات".

ثالثا: محاولات المنظمات الإقليمية

توجد العديد من المحاولات التي قامت بها مختلف المنظمات الأوروبية بقصد إيجاد تعريف لهذا المفهوم الهام في مجال الحماية الدولية لحقوق الإنسان، سواء على المستوى الفردي أو المستوى الجماعي 16. ولكن ما هو أكيد بأنه يجب تطبيق مساواة فعلية فيما يتعلق بالأقليات، وألا يكون هناك أي معاملة تفضيلية بين أقلية أو أخرى، وأن يحظر التمييز نظريا وعمليا 17.

ولا يتعلق غياب التعريف بالصكوك الأوروبية بل هو أمر مشترك بين جميع الصكوك التي توفر الحماية للأقليات. فالتعريف الذي استخدمه الخبير الإيطالي (فرانشيسكو كابوتورتي/Francesco Capotorti)، المقرر الخاص للجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات 18، الذي عرّف الأقلية بأنها: "مجموعة أقل عدداً من بقية سكان دولة ما، في وضع غير مهيمن، ويكون أفرادها من مواطني الدولة، يتمتعون بخصائص عرقية أو دينية أو لغوية تختلف عن خصائص بقية السكان، ويظهرون شعوراً بالتضامن، ولو ضمنياً، بهدف الحفاظ على ثقافتهم وتقاليدهم وأديانهم ولغاتهم"، وهو تعريف شائع ولكنه لا يزال موضع خلاف حتى في الأمم المتحدة. ويفسر عدم وجود تعريف عام للأقليات باستحالة إيجاد هذا التعريف الذي من المفترض أن يغطي جميع الحالات، نظراً لأن الأقلية مفهوم متطور ومتغير 19.

ولابد من الإشارة، ونحن في معرض الحديث عن مفهوم "الأقليات" والاتفاقيات الإقليمية لحماية حقوق الإنسان من التذكير بما نص عليه الميثاق العربي لحقوق الإنسان، الذي اعتمدته القمة العربية المنعقدة في تونس تاريخ 23 أيار/مايو 2004، ودخل حيز النفاذ في 16 آذار/مارس 2008 20، والذي صادقت عليه سورية. حيث نصت المادة 25 منه على ما يلي: "لا يجوز حرمان الأشخاص المنتمين إلى الأقليات من التمتع بثقافاتها واستخدام لغتها وممارسة تعاليم دينها وينظم القانون التمتع بهذه الحقوق".

إن عدم الاتفاق دوليا 21 وإقليميا على تعريف جامع مانع لمصطلح "الأقليات" لا يؤثر على قيمة هذا المفهوم ولا على أهميته أو حساسيته. كما أن حقوق الأقليات بمختلف أشكالها اللغوية والأثنية والثقافية والدينية لا يتأثر بغياب هذا التعريف ولا يطعن في شرعيتها. ومن المفروض وفيما يخص سورية الجديدة ومستقبل شعبها أن يتم تحديد هذه الحقوق وإيجاد آليات فعّالة لحمايتها والتركيز عليها والتأكيد على أهمية مفهوم المواطنة والرغبة في العيش المشترك.



* رئيس المركز العربي للتربية على القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، ستراسبورغ، فرنسا. أستاذ محاضر جامعة ستراسبورغ.

[1] عمر إسماعيل سعد الله، مدخل في القانون الدولي لحقوق الإنسان، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1991، ص 71.

[2] انظر، وائل أحمد علام، حماية حقوق الأقليات في القانون الدولي العام، دار النهضة العربية، القاهرة، 1994، ص 45 وما بعدها.

[3] انظر بخصوص (عصبة الأمم) وتاريخها، حسن نافعة، الأمم المتحدة في نصف قرن، دراسة في تطور التنظيم الدولي منذ عام 1945، عالم المعرفة، رقم 202، سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1995، ص 13 وما بعدها.

[4] انظر:

BUERGENTHAL T., SHELTON D., STEWART D., International Human Rights in a Nutshell, St. Paul, MINN West Publishing Co, Third Edition, West Group, 2004, p. 10.

[5] انظر:

R. MONACO, « Minorité nationales et protection internationale des droits de l’homme » in Mélanges René CASSIN. Amicorum Discipulorumque Liber. Tome I. Problème de protection internationale des droits de l’homme, Paris, Pedone, 1969, p. 176.

[6] انظر:

M. A. AL-MIDANI M. A., Les apports islamiques au développement du droit international des droits de l’homme, Thèse de Doctorat d’État, Université de Strasbourg, 1987, p. 5.

[7] انظر:

J. RINGELHEIM, Diversité culturelle et droits de l’homme. La protection des minorités par la Convention européenne des droits de l’homme, Bruxelles, Bruylant, 2006, pp. 13-14.

[8] انظر بخصوص فارس الخوري: عبد الهادي عباس، "الخوري (فارس-) (1873-1962م)"، الموسوعة العربية، دمشق، رابط، تاريخ الاطلاع 23/5/2023:

http://arab-ency.com.sy/ency/details/3340/9

[9] انظر هذه الاتفاقيات في: محمد أمين الميداني، مدخل إلى الحماية الدولية لحقوق الإنسان، الطبعة الأولى، منشورات الأكاديمية الدولية لحقوق الإنسان، بيروت، والمركز العربي للتربية على القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، ستراسبورغ، 2021، ص 46 وما بعدها.

[10] انظر:

R. ERGEC, M. HAPPOLD, Protection européenne et internationale de droits de l’homme, 3ème édition, Bruxelles, Lacier, 2014, p. 22.

[11] انظر، تاريخ الاطلاع: 6/1/2025:

https://www.un.org/ar/fight-racism/vulnerable-groups/minorities

[12] انظر، حقوق الأقليات: المعايير الدولية وإرشادات بشأن تطبيقها، مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، حقوق الإنسان، الأمم المتحدة، 2010، ص 2 وما بعدها.

[13] انظر، تاريخ الاطلاع: 6/1/2025:

https://www.un.org/ar/fight-racism/vulnerable-groups/minorities

[14] انظر، علام، حماية حقوق الأقليات في القانون الدولي العام، ص 7 وما بعدها.

وانظر أيضا، إحسان بن نوى، تأثير الأقليات على استقرار النظم السياسية في الشرق الأوسط، الطبعة الأولى، الناشر مكتبة الوفاء القانونية، الإسكندرية، 2015، ص 40 وما بعدها.

[15] انظر، تاريخ الاطلاع: 6/1/2025:

https://emergency.unhcr.org/ar/

[16] انظر:

M. A. AL-MIDANI, « Les tentatives pour adopter une définition du terme « minorité » sur le plan européen », Revue Égyptienne de Droit International, vol. 57, 2001, pp. 124-137.

[17] انظر، ألكسندر شارل كيس، "مفهوم المساواة تعريفه وتطبيقه"، في: محمد أمين الميداني، ترجمات في الحماية الدولية لحقوق الإنسان، الطبعة الثانية، منشورات مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان، تعز، 2005، ص 83 وما بعدها.

[18] انظر بخصوص اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات والتي تم الغاؤها بعد اعتماد نظام مجلس حقوق الإنسان في عام 2006، محمد أمين الميداني، "الآليات الدولية لحماية حقوق الإنسان"، مجلة (البحوث القانونية والاقتصادية)، مجلة دورية تصدرها كلية الحقوق ببني سويف، جامعة القاهرة، عـدد يناير ويوليو 1994، ص 437 وما بعدها.

[19] انظر، تاريخ الاطلاع: 6/1/2025:

https://univ-droit.fr/recherche/actualites-de-la-recherche/appels/45397-les-minorites-dans-l-espace-europeen

[20] انظر على سبيل المثال بخصوص هذا الميثاق العربي، محمد أمين الميداني، المختار من دراسات النظام العربي لحقوق الإنسان، الطبعة الأولى، منشورات المركز العربي للتربية على القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، ستراسبورغ، 2019.

[21] انظر، تاريخ الاطلاع: 9/1/2025:

M. ABOU RAMADAN, « La définition des minorités en droit international » :https://books.openedition.org/pus/14182?lang=fr

back