الإعلان الدستوري السوري وسيادة القانون

This article is not available in English, but the Arabic version is available

نص الإعلان الدستوري السوري والذي وقع عليه الرئيس السوري بتاريخ 13/3/2025 على العديد من المفاهيم الهامة والحيوية والتي يمكن أن تكون نواة أساسية للدستور الدائم المزمع اعتماده لسورية الجديدة.

يمكن أن نشير إلى عدد من هذه المفاهيم والتي جاءت في مقدمة الإعلان (كان من المفروض ان تسمى: ديباجة) مثل: جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وجريمة إبادة جماعية التي تُعّد "نموذجا صارخا لانتهاك القيم البشرية والشرائع الدولية"، و"العدالة الانتقالية"، و"دولة المواطنة"، و"سيادة القانون"، و"مبادئ الحكم الرشيد".

وعادت وتكررت بعض هذه المفاهيم في أبواب الإعلان الدستوري ومواده وفقراته مثل: "سيادة القانون"، و"حقوق الإنسان"، و"العدالة الانتقالية"، و"مكافحة الفساد"، و"الحكم الرشيد"، ومن دون أن نغفل تخصيص الباب الثاني من الإعلان للحقوق والحريات.

ولكن ما يهمنا في هذا المقال هو مفهوم نصت عليها المقدمة، والفقرة الأولى من المادة 9، وجاءت مجددا في الفقرة 7 من المادة 42 من هذا الإعلان وهي: "سيادة القانون". حيث أوكلت الفقرة الأولى من المادة 9 للجيش مهمة "حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامتها ووحدة أراضيها. بما يتوافق مع سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان". ووضعت الفقرة 7 من المادة 42 منه على عاتق السلطة التنفيذية: "إعادة بناء المؤسسات العامة وتعزيز سيادة القانون والحكم الرشيد" 2.

فما هو المقصود بمفهوم "سيادة القانون"؟ وكيف يمكن تعزيز هذه السيادة؟ سنحاول الإجابة على هذين السؤالين، وسنبدأ بتعريف مفهوم "سيادة القانون" (الفرع الأول)، لنرى بعدها كيف معايير هذه السيادة (الفرع الثاني). ولكن نريد أن نشير قبلها إلى أن هذا المفهوم الهام والأساس في دولة تحترم حقوق الإنسان وحرياته الأساسية قد عرف تطورا لافتا للنظر خلال العقدين الآخرين 3، مما جعله بالفعل محط اهتمام ودراسة، بل أن بعض المنظمات الإقليمية مثل منظمة مجلس أوروبا 4 قد جعلت منه واحدا من الأهداف التي تسعى   لتحقيقها 5.

الفرع الأول

تعريف سيادة القانون

يوجد عدة تعاريف لمفهوم "سيادة القانون" 6، نذكر منها: "سيادة القانون نظام مؤسساتي تخضع من خلاله السلطات العامة للقانون" 7، أو يقصد بهذا المفهوم واجب "أن تمارس السلطات العامة صلاحيتها وفقًا للمبادئ التوجيهية التي تحددها المعايير القانونية"8، أو يُقصد منه أيضا بأنه "يجوز لأي شخص وأي هيئة عامة أو خاصة الاستفادة من التشريعات التي تعتمدها السلطات العامة، والتي تصبح نافذة من حيث المبدأ في المستقبل والتي تنفذها الدولة في المحاكم"9، أو سيادة القانون "هي الالتزام بمجموعة من المبادئ والقيم المعترف بها قانونيا وتكون مصحوبة بآليات تضمن تنفيذها"10.

وأوضح الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، ومن خلال منشورات هذه المنظمة، بأن سيادة القانون تتطلب أن تكون "القواعد الإجرائية والمؤسسات والمعايير الأساسية متوافقة مع حقوق الإنسان ومع المبادئ الأساسية للمساواة أمام القانون والمساءلة بموجب القانون والعدالة في حماية الحقوق والدفاع عنها"، كما بيّن ارتباط هذا المفهوم بالمجالات الدولية مثل: حقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي الجنائي، والقانون الدولي للاجئين 11.

ماذا يمكن أن نفهم من مختلف هذه التعاريف والإيضاحات بخصوص مفهوم سيادة القانون؟ نشير بغرض الإجابة إلى أن "سيادة القانون" تعني:

1- وجوب خضوع السلطات العامة للقانون ومختلف معاييره.

2- استفادة الأفراد ومختلف الجمعيات والمؤسسات من القوانين التي تعتمدها السلطات العامة والتي يتم تنفيذها من خلال الأجهزة القضائية المتعددة.

3- ضمان حقوق المواطنين وحرياتهم 12.

الفرع الثاني

معايير سيادة القانون

يمكن بعد تعريف مفهوم "سيادة القانون" أن نحدد معاييرها، وهي:

أولا: المساواة: وتخص هذه المساواة وآلية تطبيقها:

1- أولوية القانون.

2- احترام القانون وتطبيقه.

3- العلاقة ما بين القانون الدولي والقانون الوطني.

4- الصلاحيات والإجراءات التشريعية والتنفيذية.

5- الاستثناءات في حالات الطوارئ.

ثانيا: الضمانات القانونية: وتتمثل في:

1- امكانية الوصول القوانين.

2- امكانية الوصول إلى القرارات القضائية.

3- القدرة على التعرف على القوانين.

4- استقرار القوانين واستمراريتها.

5- عدم رجعية القوانين.

6- لا جريمة إلا بنص قانوني.

7- قوة الأمر المقضي به.

ثالثا: الوقاية من تعسف السلطات.

رابعا: المساواة أمام القانون وعدم التمييز.

خامسا: الوصول إلى العدالة، وهو يخص:

1- الاستقلال والحياد، ويتفرع عنه:

       أ) استقلال السلطة القضائية.

       ب) استقلال القضاة.

       ج) حياد العدالة.

       د) استقلالية النيابة العامة.

       هـ) استقلال نقابة المحامين وحيادها.

2- مبدأ المحاكمة عادلة، ويتمثل في:

       أ) قرينة البراءة.

       ب) الضمانات القانونية والقضائية للمتهم.

       ج) وجود تطبيقات مختلفة للحق في محاكم عادلة.

       د) الاطلاع على القرارات القضائية.

3- العدالة الدستورية.

       أ) وجود محكمة دستورية أو مجلس دستوري.

       ب) الاطلاع على القرارات الدستورية.

       ج) التزام السلطة التنفيذية بالقرارات الدستورية.

سادسا: أمثلة عن التحديات التي تواجه سيادة القانون، وهي:

1- الفساد وتضارب المصالح، وتشمل:

       أ) الإجراءات الوقائية.

       ب) إجراءات القانون الجنائي.

       ج) التطبيق الفعلي لإجراءات الوقاية والجزر.

2- جمع البيانات ورصدها: في المجالات التالية:

       أ) جمع البيانات الشخصية ومعالجتها.

       ب) المراقبة المستهدفة.

       ج) المراقبة الاستراتيجية العامة.

       د) استخدام أجهزة المراقبة 13.

خاتمة

يُعّد نص الإعلان الدستوري السوري لعام 2025 على مبدأ: سيادة القانون تأكيدا واضحا على أهمية مبادئ أساسية وتطبيقات هامة لدولة القانون والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية. ويمكن اعتبار وجود هذا المبدأ بادرة إيجابية مشجعة تعكس الحرص على تأكيد مبادئ قانونية أساسية وضرورية متعارف عليها في العديد من مختلف دول المجتمع الدولي.

يتعلق قسم من هذه المبادئ المتأصلة في سيادة القانون وتطبيقاته باحترام حقوق وحريات أي إنسان بغض النظر عن أي تمييز كان. ويتعلق قسم آخر منها بإعمال حقوق المواطنين السوريين وحرياتهم فيما يخص مؤسسات الدولة التشريعية والقضائية وحسن قيامها بمهامها، كما أنه يلقى على عاتق السلطة التنفيذية عدة مهام حيوية بخصوص صياغة مشاريع مختلف القوانين وأصول المحاكمات وعرضها على السلطة التشريعية، وضمان احترامها، وكذلك ضمان استقلالية القضاء وحيادته ونزاهته بعدم التدخل في الإجراءات المتبعة أمامه وتنفيذ الأحكام الصادرة عنه. ولا بد هنا من التذكير بما نصت عليه العديد من مواد هذا الإعلان الدستوري بخصوص مختلف أشكال القضاء: الدستوري، والعادي، والإداري، ووجود سلطات قضائية عليا متمثلة بمجلس القضاء الأعلى (الفقرة 2 من المادة 43)، ومجلس الدولة (الفقرة 3 من المادة 45)، والمحكمة الدستورية (المادة 47).

تمر سورية بمرحلة جديدة ومفصلية من تاريخها المعاصر، والسعي والحرص والاهتمام بمبدأ سيادة القانون سيكون معيارا أساسيا لتجاوزها لسنوات الظلم والقهر والفوضى والفساد التي عاشتها طوال أكثر من نصف قرن لم تعرف فيها أي تطبيق فعلي لهذا المبدأ ومعاييره؛ ومن دون تطبيق هذا المبدأ ومبادئ ومفاهيم أخرى مثل: "حقوق الإنسان"، و"العدالة الانتقالية"، و"دولة المواطنة"، و"مكافحة الفساد"، و"مبادئ الحكم الرشيد" والتي نص عليها الإعلان الدستوري، فلا يمكن أن نتحدث حقا وصدقا عن سورية الجديدة.



[1] رئيس المركز العربي للتربية على القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، ستراسبورغ، فرنسا. أستاذ محاضر في جامعة ستراسبورغ.

[2] انظر نص هذا الإعلان الدستوري، تاريخ الاطلاع: 24/3/2025:

https://asharq.com/politics/119169/%D9%86%D8%B5-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7/

[3] انظر:

J. CHEVALLIER, l’État de droit, Paris, Montchrestien, 2003, p. 9.

[4] انظر بخصوص منظمة مجلس أوروبا (Conseil de l’Europe/Council of Europe)، محمد أمين الميداني، منظمة مجلس أوروبا. أهدافها، هيئاتها، وحماية حقـوق الإنسـان وتعزيزها، الطبعة الأولى، منشورات شركة المؤسسة الحديثة للكتاب، طرابلس، لبنان، 2018.

[5] تنص المادة 3 من ميثاق منظمة مجلس أوروبا على ما يلي: "يعترف كل عضو في مجلس أوروبا بمبدأ سيادة القانون وبالمبدأ الذي ينص على حق كل شخص يخضع لقضائه بالتمتع بحقوق الإنسان والحريات الأساسية. كما يلتزم بالتعاون الصادق والفعلي على تطبيق الهدف الذي حدده الفصل الأول". انظر، محمد أمين الميداني، نزيه كسيبي، حقوق الإنسان، مجموعة وثائق إقليمية (ترجمة) الطبعة الثانية، منشورات المعهد العربي لحقوق الإنسان، بيروت، 2001.

[6] معروف هذا المصطلح بالإنكليزية والفرنسية كما يلي:

Rule of Law/ État de droit.

[7] انظر، تاريخ الاطلاع: 24/3/2025:

https://www.vie-publique.fr/parole-dexpert/270286-quest-ce-que-letat-de-droit

[8] انظر، تاريخ الاطلاع: 24/3/2025:

https://perspective.usherbrooke.ca/bilan/servlet/BMDictionnaire/1493

[9] انظر، تاريخ الاطلاع: 24/3/2025:

[2011]003rev-f" class="Internet_20_link">https://www.coe.int/fr/web/venice-commission/-/CDL-AD[2011]003rev-f

[10] انظر:

CHEVALLIER, op. cit., p. 100.

[11] انظر، تاريخ الاطلاع: 24/3/2025:

https://www.un.org/ruleoflaw/fr/rule-of-law-and-human-rights/

[12] انظر، تاريخ الاطلاع: 24/3/2025:

https://commission.europa.eu/strategy-and-policy/policies/justice-and-fundamental-rights/upholding-rule-law/rule-law/what-rule-law_fr

[13] يمكن الاطلاع على مزيد من التفاصيل والأمثلة بخصوص معايير سيادة القانون في الكتيب بعنوان:

Commission européenne pour la démocratie par le droit (Commission de Venise), liste des critères de l’État de droit, Le Conseil de l’Europe, Strasbourg, 2016.

على الرابط، تاريخ الاطلاع: 24/3/2025:

https://www.venice.coe.int/images/SITE%20IMAGES/Publications/Rule_of_Law_Checklist_FRA.pdf

back