نحو استراتيجية وطنية سورية للوقاية من التعذيب ومناهضته

This article is not available in English, but the Arabic version is available

نشرت وكالة الأنباء سانا السورية على صفحتها الالكترونية وبتاريخ 12/5/2026 خبرا عنوانه انعقاد "ورشة عمل لصياغة الاستراتيجية الوطنية السورية لمناهضة التعذيب". وأوضح الخبر بأن إدارة المنظمات والمؤتمرات الدولية في وزارة الخارجية والمغتربين عقدت "ورشة العمل الأولى لصياغة الاستراتيجية الوطنية الشاملة للجمهورية العربية السورية لمناهضة التعذيب". وجاء بيان الوزارة بأن هذه الورشة "تأتي انطلاقاً من حرص الحكومة على التعافي من إرث النظام البائد، وتعزيز العدالة وحقوق الإنسان، وإعداد استراتيجية وطنية شاملة تهدف إلى منع التعذيب، وضمان المساءلة، وجبر الضرر للضحايا، وتعزيز الثقة بالمؤسسات بمشاركة المجتمع المدني والشركاء الدوليين". وأضافت الوكالة بأن هذه الورشة تأتي "في سياق جهود الحكومة السورية لإعادة بناء منظومة حقوق الإنسان بعد سنوات من الانتهاكات التي ارتكبها النظام البائد، حيث تعمل الدولة حالياً على مواءمة تشريعاتها ومؤسساتها مع المعايير الدولية، وتعزيز آليات المساءلة ومنع التعذيب، بما يشمل إشراك المجتمع المدني والشركاء الدوليين في وضع استراتيجية وطنية شاملة تعالج إرث الانتهاكات، وتضمن جبر الضرر للضحايا، وترسّخ الثقة بالمؤسسات العامة في مرحلة التعافي وإعادة البناء"1. ولكن لم يبين الخبر أسماء من شارك بالورشة ومن هم الخبراء المحليين والدوليين الذين حضروا بغرض صياغة هذه الاستراتيجية !

ونؤكد على أهمية انعقاد هذه الورشة والجهود التي تبذلها وزارة الخارجية ومختلف إدارتها لمواكبة آخر التطورات وبخاصة في ملف حماية حقوق الإنسان وحرياته في الجمهورية العربية السورية، وتدارك التقصير والاهمال والتهميش والتجاهل الذين عرفهم هذا الملف طوال عقود سابقة.

ويجب في المقابل أن نلفت الانتباه، ولعل صدى ما نقوله يصل لآذان المسؤولين في هذه الوزارة، بأن المجتمع الدولي بدأ منذ عدة عقود بالاهتمام بمفهوم "الوقاية" من التعذيب بعد أن مضت عدة عقود بُذلت فيها الجهود بغرض مناهضة "التعذيب"2.

ونشير في هذا الخصوص إلى أن المجتمع الدولي قد مر بمراحل عديدة بقصد الاعتراف بحقوق الإنسان وتقنينها وإيجاد آليات تعاقدية وغير تعاقدية لحماية هذه الحقوق وتطبيقها وصولا إلى مرحلة هامة جدا بنظرنا في مجال حماية حقوق الإنسان، ألا وهي مرحلة "الوقاية". بمعنى آخر، لن ينتظر المجتمع الدولي وقوع انتهاكات، أو السعي لمكافحة ممارسة وقعت مثل: "التعذيب" أو "العنف" تُنتهك بسببها حقوق الإنسان أو تنتهك كرامته، بل يسعى المجتمع الدولي لاعتماد اتفاقيات وآليات "وقائية" ضد هذه الأفعال والممارسات.

وكانت المنظمات الإقليمية مثل: منظمة الدول الأمريكية، ومنظمة مجلس أوروبا، والاتحاد الأفريقي، رائدة في هذا المجال حيث تم اعتماد صكوك إقليمية لتكريس هذه الوقاية، من أهمها:

1- الاتفاقية الأمريكية للوقاية من التعذيب والعقاب عليه التي اعتمدتها منظمة الدول العاصمة الأمريكية (واشنطن) في 99/12/1985، ودخلت هذه الاتفاقية حيز النفاذ في 28/2/19873.

2- الاتفاقية الأوروبية للوقاية من التعذيب والعقوبات أو المعاملات غير الإنسانية أو المهينة التي اعتمادها منظمة مجلس أوروبا ومقرها مدينة (ستراسبورغ) بفرنسا، بتاريخ 26/11/1987، ودخلت هذه الاتفاقية حيز النفاذ في 1/2/19894.

3- الاتفاقية الأمريكية بشأن الوقاية واستئصال العنف ضد النساء والمعاقبة عليه، اعتمدتها منظمة الدول الأمريكية، بتاريخ 9 حزيران/يونيو 1994، والتي دخلت حيز النفاذ في 5 آذار/مارس 19955.

4- البروتوكول الملحق بالميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب والخاص بحقوق المرأة، الذي اعتمده الاتحاد الأفريقي ومقه العاصمة الأثيوبية (أديس أبابا) بتاريخ 11 تموز/يوليو 2003، ودخل هذا البروتوكول حيز النفاذ في 22 تموز/يوليو 20106.

5- اتفاقية مجلس أوروبا للوقاية والكفاح ضد العنف تجاه النساء والعنف المنزلي، التي اعتمادها منظمة مجلس أوروبا بمدينة إسطنبول بتاريخ 11 أيار/مايو 2011، والتي دخلت حيز النفاذ في 1 آب/أغسطس 20147.

سنتطرق في هذه الدراسة إلى موضوعين: اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (المبحث الأول)، والبروتوكول الاختياري المضاف إلى اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبات القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (المبحث الثاني).

المبحث الأول

اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة

اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذه الاتفاقية الدولية بتاريخ 10/12/1984، ودخلت جيز النفاذ بتاريخ 26/6/1987. وصادقت الجمهورية العربية السورية على هذه الاتفاقية الدولية بتاريخ 19/8/2004.

سنستعرض مضمون الجزء الأول من هذه الاتفاقية من خلال التعريفات التي نصت عليها (المطلب الأول)، ومن ثم الالتزامات الملقاة على عاتق الدول الأطراف فيها (المطلب الثاني).

المطلب الأول

مضمون اتفاقية مناهضة التعذيب

سنتطرق إلى التعاريف (أولا)، وإلى التزامات الدول الأطراف في هذه الاتفاقية (ثانيا).

أولا: تعاريف

يوجد مجموعة من التعريف التي نصت عليها هذه الاتفاقية الدولية:

1- التعذيب. لعل ما يميز هذه الاتفاقية عن غيرها من الاتفاقيات الدولية التي تسعى لحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية هو التعريف الذي نصت عليه، في مادتها الأولى، لمفهوم "التعذيب" الذي قصد به:

"1- لأغراض هذه الاتفاقية، يقصد 'بالتعذيب' أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسديا كان أم عقليا، يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في انه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو ارغامه هو أو أي شخص ثالث - أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأى سبب يقوم على التمييز أيا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص يتصرف بصفته الرسمية ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها.

2- لا تخل هذه المادة بأي صك دولي أو تشريع وطني يتضمن أو يمكن أن يتضمن أحكاما ذات تطبيق أشمل".

نستطيع القول، بأنه على الرغم من طول هذا التعريف، ومحاولته لوضع قائمة بكل الأفعال التي يمكن أن تنطوي تحت عنوان "التعذيب"، فإنه لم يصنف كل هذه الأفعال ولم يحصرها أيضا. كما أن ذكر عدد من الأشخاص (الموظف الرسمي، أو شخص آخر يتصرف بصفة رسمية) لا يعني بأنهم يتحملون وحدهم مسؤولية الأفعال التي تنطوي تحت هذا التعريف، بل يبقى الباب مفتوحا لتحمل غيرهم مثل هذه المسؤولية.

2- المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. ميزت اتفاقية مناهضة التعذيب بين "التعذيب"، و"المعاملة اللاإنسانية"، و"المعاملة المهينة" اعتمادا على "درجة الآلام التي يتعرض لها الضحايا"8. وقد سبق للجنة الأوروبية لحقوق الإنسان9 أن أعطت تفسيرا في هذا المعنى للمادة 3 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان التي تنص على ما يلي: "لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات غير الإنسانية أو المهينة"10.

ثانيا: التزامات الدول الأطراف في اتفاقية مناهضة التعذيب

وضعت بعض مواد الجزء الأول من هذه الاتفاقية الدولية عدد من الالتزامات على عاتق الدولة الطرف فيها. حيث أوضحت أن على هذه الدولة أن تتخذ إجراءات تشريعية أو إدارية أو قضائية فعالة أو أي اجراءات أخرى "لمنع أعمال التعذيب في أي إقليم يخضع لقضائها" (المادة 2 الفقرة الأولى).

ويمكن أن نصنف هذه الالتزامات في عدة أشكال:

1- حظر مجموعة من الأفعال والممارسات. حظرت اتفاقية مناهضة التعذيب على الدول الأطراف فيها مجموعة من الأفعال والممارسات، وهي:

أ) أن يتم التذرع "بأية ظروف استثنائية" كمبرر للتعذيب حتى ولو كانت هذه الظروف "حالة حرب أو تهديدا بالحرب أو عدم استقرار سياسي داخلي أو أية حالة من حالات الطوارئ العامة " (المادة 2، الفقرة 2).

ب) أن يتم التذرع، كمبرر لممارسة التعذيب، "بالأوامر الصادرة عن موظفين أعلى مرتبة أو عن سلطة عامة" (المادة 2 الفقرة 3).

ج) أن تطرد دولة طرف أي شخص أو تعيده أو ترده أو تسليمه إلى دولة أخرى "إذا توافرت لديها أسباب حقيقية تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيكون في خطر التعرض للتعذيب". ويجب، في هذه الحالة، أن تتم مراعاة الاعتبارات المتعلقة بهذه الأسباب، والتأكد من "وجود نمط ثابت من الانتهاكات الفادحة أو الصارخة أو الجماعية لحقوق الإنسان في الدولة المعنية" (المادة 3 الفقرتان 1، و2).

2- تجريم مجموعة من الأفعال والممارسات. كرست اتفاقية مناهضة التعذيب معظم مواد الجزء الثاني (المواد 4، 5، 6، 7، 8، 9، 11، 13، 15) لتجريم أفعال وممارسات التعذيب ومحاكمة مرتكبي هذه الأفعال والممارسات وتسليمهم إلى السلطات المختصة، ولتحقيق التعاون بين الدول الأطراف في هذه الاتفاقية من خلال تقديم المساعدة فيما يتعلق بالإجراءات الجنائية الخاصة بالجرائم التي حددتها المادة 4 من هذه الاتفاقية.

حيث تنص هذه المادة 4 على واجب الدولة الطرف في الاتفاقية بتجريم "جميع أعمال التعذيب"، وكذلك تجريم أي "محاولة لممارسة التعذيب"، والقيام بأي عمل آخر "يشكل تواطؤا ومشاركة في التعذيب".

3- تعويض ضحايا التعذيب. ألزمت اتفاقية مناهضة التعذيب كل دولة طرف فيها بإنصاف من يتعرض لأعمال التعذيب وبحق قابل للتنفيذ "في تعويض عادل ومناسب بما في ذلك إعادة تأهيله على أكمل وجه ممكن". أما في حالة وفاة شخص نتيجة عمل من أعمال التعذيب "فيكون للأشخاص الذين يعولهم الحق في التعويض" (المادة 14، الفقرة الأولى).

ولا ينقص هذا التعويض من حق الشخص المعتدى عليه أو غيره من الأشخاص من تعويض تنص عليه القوانين الوطنية لهذه الدولة (المادة 14، الفقرة 2).

4- إدراج حظر التعذيب في برامج تدريب الموظفين. ركزت اتفاقية مناهضة التعذيب على أهمية التعليم والإعلام وبرامج التعليم للموظفين، من ناحية، وعلى ضرورة حظر التعذيب في القوانين والتعليمات المتعلقة بهؤلاء الموظفين، من ناحية ثانية، وهو ما اعتبره بعضهم كنوع من أنواع الوقاية من التعذيب11.

فيجب، حسب المادة 10، الفقرة الأولى، على كل دولة طرف في اتفاقية مناهضة التعذيب أن تدرج حظر التعذيب في برامج "تدريب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، سواء أكانوا من المدنيين أو العسكريين، والعاملين في ميدان الطب، والموظفين العموميين أو غيرهم ممن قد تكون لهم علاقة باحتجاز أي فرد معّرض لأي شكل من أشكال التوقيف أو الاعتقال أو السجن أو باستجواب هذا الفرد أو معاملته"

كما يجب، بمقتضى الفقرة 2 من نفس المادة، إدراج حظر التعذيب في "القوانين والتعليمات التي يتم إصدارها فيما يختص بواجبات ووظائف" الأشخاص الذين جاء ذكرهم في الفقرة الأولى.

المطلب الثاني

آلية اتفاقية مناهضة التعذيب والمعاملات القاسية أو غير الإنسانية أو المهينة

خصصت هذه الاتفاقية جزئها الثاني، المواد من 17 إلى 24، للبحث في آلية وضع أحكامها موضع النفاذ. كما أنشأت لجنة تسمى "لجنة مناهضة التعذيب". وعالجت المادة 17 من الاتفاقية للبحث في تأليف هذه اللجنة (أولا)، وبينت اختصاصاتها (ثانيا).

أولا: تأليف لجنة مناهضة التعذيب

سنبحث في كيفية انتقاء أعضاء هذه اللجنة، ومن ثم سنحدد مركزها ودوراتها ونطلع على طريقة عملها.

1- أعضاء اللجنة. تتألف هذه اللجنة، الفقرة الأولى من المادة 17، من 10 خبراء12 يتم انتخابهم، لمدة أربع سنوات، بصفتهم الشخصية من بين مواطني الدول الأطراف في الاتفاقية. ويجب أن يكون الخبراء "على مستوى أخلاقي عال ومشهود لهم بالكفاءة في ميدان حقوق الإنسان". ويراعى في اختيارهم التوزيع الجغرافي العادل.

وأضافت الفقرة 2 من المادة 17 توجيه للدول الأطراف خاص بأعضاء هذه اللجنة، لم نراه في بقية الاتفاقيات الدولية لحماية حقوق الإنسان وآلية تطبيقها، ألا وهو "فائدة ترشيح أشخاص يكونون أيضا أعضاء في اللجنة المعنية بحقوق الإنسان المنشأة بمقتضى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ولديهم الاستعداد للعمل في لجنة مناهضة التعذيب".

2- مركز اللجنة ودوراتها. وتعقد اللجنة عادة دورتين في السنة بمدينة جنيف، ولكن يحق لها عقد دورة استثنائية بقرار تتخذه اللجنة نفسها أو بطلب من أغلبية أعضائها أو بطلب من دولة طرف.

ثانيا: اختصاصات لجنة مناهضة التعذيب

نستطيع أن نصنف اختصاصات هذه اللجنة، بمقتضى أحكام الاتفاقية، في أربع مجالات:

1- دراسة التقارير التي تقدمها الدول الأطراف في الاتفاقية. أوضحت المادة 16 من الاتفاقية، أن الدول الأطراف فيها تقدم إلى هذه اللجنة، وعن طريق الأمين العام للأمم المتحدة، "تقارير عن التدابير التي اتخذتها تنفيذا لتعهداتها بمقتضى هذه الاتفاقية، وذلك في غضون سنة واحدة بعد بدء نفاذ هذه الاتفاقية بالنسبة للدولة الطرف المعنية". وتضيف الفقرة الأولى من المادة 19 بأن الدول الأطراف تقدم بعد ذلك "تقارير تكميلية مرة كل أربع سنوات عن أية تدابير جديدة تم اتخاذها، وغير ذلك من التقارير التي قد تطلبها اللجنة". ويحيل الأمين العام للأمم المتحدة هذه التقارير إلى جميع الدول الأطراف في الاتفاقية.

وتبدأ اللجنة، عملا بالفقرة 3 من المادة 19، بالنظر في هذه التقارير، وتبدي تعليقاتها العامة عليها، وتبلغها إلى الدولة الطرف المعنية. ولهذه الدولة أن ترد على هذه التعليقات بما تراه من ملاحظات.

ويجوز للجنة أن تقرر، حسب الفقرة 4 من المادة 19، إدراج أية ملاحظات خاصة بهذه التقارير في تقريرها السنوي الذي ترفعه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، ويحق لها أن تورد فيه الملاحظات التي أبدتها الدولة الطرف المعنية.

والسؤال المطروح حاليا: هل ستطرق الاستراتيجية الوطنية السورية لمناهضة التعذيب التي يتم العمل عليها إلى موضوع إعداد التقارير المفروض أن تقدمها الجمهورية العربية السورية إلى لجنة مناهضة التعذيب؟ وهل ستضمن أيضا برامج تأهيل وإعداد لمن سيقوم بتحضير هذه التقارير من مختلف الوزارات والإدارات السورية؟

2- التحقيق في المعلومات التي تصلها عن ممارسة التعذيب في الدول الأطراف. نصت الفقرة الأولى من المادة 20 من الاتفاقيـة على أنه "إذا تلقت اللجنة معلومات موثوقا بها يبدو لها أنها تتضمن دلائل لها أساس قوي تشير إلى أن تعذيبا يمارس على نحو منظم في أراضي دولة طرف، تدعو اللجنة الدولة الطرف المعنية إلى التعاون في دراسة هذه المعلومات، وتحقيقا لهذه الغاية إلى تقديم ملاحظات بصدد تلك المعلومات". وأوضحت الفقرات من 2 إلى 5 من المادة 20 الإجراءات الخاصة بذلك والتي يمكن تلخيصها كما يلي:

أ) تبدأ اللجنة بدعوة الدولة الطرف المعنية والتي تخصها المعلومات المتعلقة بالتعذيب إلى التعاون معها لدراسة هذه المعلومات.

ب) يحق للجنة، إذا ارتأت ما يبرر ذلك، تعيين عضوا أو أكثر من أعضائها لإجراء تحقيق سري خاص بهذه المعلومات. وتأخذ اللجنة في حسبانها، وفي هذه المرحلة بالذات، ما يمكن أن يكون قد وصلها من ملاحظات من الدولة الطرف المعنية.

ج) تلتمس اللجنة تعاون الدولة الطرف المعنية لإتمام عملية التحقيق التي تمت بصورة مستعجلة وبالاتفاق مع هذه الدولة وتشمل زيارة أراضيها.

د) تحيل اللجنة بعد فحص النتائج التي توصل إليها عضوها أو أعضائها مع أية تعليقات أو ملاحظات مناسبة إلى الدولة الطرف المعنية.

هـ) تتم كل هذه الإجراءات بصورة سرية، وبالتعاون مع الدولة الطرف المعنية. وللجنة أن تقرر إجراء مشاورات مع هذه الدولة، وإدراج بيان موجز عن نتائج هذه الإجراءات في تقريرها السنوي الذي تعّده، وترفعه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وأتاحت الفقرة الأولى من المادة 28 من الاتفاقية لكل دولة وقت التوقيع أو التصديق على الاتفاقية أو الانضمام إليها أن لا تعترف باختصاص اللجنة عملا بالمادة 20 المذكورة. وهذا ما قامت به بعض الدول العربية مثل: المملكة المغربية التي رفضت في أثناء توقيعها على الاتفاقية الاعتراف باختصاص اللجنة بمقتضى المادة 20، وكذلك سورية التي قدمت إعلانا يوضح بأنها لا تقبل باختصاص هذه اللجنة عملا بما نصت عليه المادة 20 من الاتفاقية، هذا من ناحية. واتخذت، من ناحية ثانية، دول عربية أخرى مواقفا مختلفة حيث أوضحت دولة تونس مثلا، أثناء توقيعها على هذه الاتفاقية، بأنها تحتفظ بحقها وفي أي وقت لاحق بإجراء تحفظ أو تقديم إعلان خاص بالمادة 20.

3- استلام البلاغات الحكومية عن ممارسة التعذيب والنظر فيها. جاء في الفقرة الأولى من المادة 21 من الاتفاقيـة بأنه يحق "لأية دولة طرف في هذه الاتفاقية أن تعلن، في أي وقت، بموجب هذه المادة، أنها تعترف باختصاص اللجنة في أن تسلم بلاغات تفيد أن دولة طرفا تدعي بأن دولة طرفا أخرى لا تفي بالتزاماتها بموجب هذه الاتفاقية في أن تنظر في تلك البلاغات". واشترطت الفقرة 2 من المادة 21 قبول خمس دول أطراف في الاتفاقية بهذه الفقرة الأولى حتى تمارس اللجنة اختصـاصها بالنظر في هذه البلاغات ودراستها. كما أنه يجوز سحب هذا القبول لاحقا. ولم توافق، إلا دولتين عربيتين على هذا الاختصـاص، وهما: تونس والجزائر. كما احتفظت تونس، كما هو الحال بالنسبة للمادة 20، بحقها وفي أي وقت لاحق بإجراء تحفظ أو تقديم إعلان خاص بالمادة 21.

أما النظر في البلاغات ودراستها فيمكن تلخيصه، تبعا لأحكام المادة 21، كما يلي:

أ) يجوز لأية دولة طرف أن تقوم، برسالة كتابية، بلفت نظر دولة طرف أخرى لا تقوم بتنفيذ أحكام الاتفاقية، وعلى الدولة الأخيرة أن ترد في غضـون ثلاثة أشهر من تاريخ استلامها لهذه الرسالة، بتقديم تفسير أو أي بيان خطي يوضح ما تم اتخاذه من إجراءات وما هي وسائل الطعن المتاحة أو التي ستُتخذ لمعالجـة الأمر موضوع الرسالة.

ب) إن لم يتم التوصل إلى تسوية ودية بين هاتين الدولتين، يحق لأي منهما، في غضون مهلة ستة أشهر من تاريخ ورود الرسالة الأولى، إحالة الأمر إلى لجنة مناهضة التعذيب بواسطة إخطار موجهـة للجنة وإلى الدولة الطرف الأخرى.

ج) تعقد اللجنة اجتماعات سرية لدراسـة البلاغات التي وصلتها، ولكن لا تبدأ هذه الدراسة إلا بعد التأكد من أن كل طرق الطعن الداخلية قد استنفدت حسب مبادئ القانون الدولي المعترف بها عموما، إلا إذا طال أمد هذه الطرق بصورة غير معقولة.

د) تعرض اللجنة مساعيها الحميدة على الدول الأطراف المعنيـة للتوصل إلى حل ودي للمسألة، ويجوز لها أن تنشئ عند الضرورة لجنة مخصـصة للتوفيق.

هـ) يجوز للجنة أثناء دراستها للمسألة أن تطلب من الدولتين المعنيتين تزويدها بمعلومات لها علاقة بهذه المسألة. كما يحق لممثلين عن الدول الأطراف المعنية حضور جلسات اللجنة أثناء النظر في المسألة، وأن يتقدموا بمذكرات شفوية أو كتابية أو بكليهما.

و) تقدم أخيرا اللجنة، وفي غضون اثني عشر شهرا من تاريخ استلامها للمسألة، تقريرا يتضمن في حالة التوصل إلى حل ودي بين الدولتين المعنيتين، بيانا موجزا بالوقائع ومضمون الحل الذي تم التوصل إليه. أما إذا لم يتم التوصل إلى هذا الحل فيتضمن التقرير بيانا موجزا بالوقائع مرفق به المذكرات الخطية ومحضرا بالمذكرات الشفوية التي قدمتها الدول الأطراف المعنية، ويُبلغ هذا التقرير إلى هذه الدول.

4- استلام البلاغات الفردية عن ممارسة التعذيب والنظر فيها. بينت الفقرة الأولى من المادة 22 من الاتفاقية بأنه "يجوز لأية دولة طرف في هذه الاتفاقية أن تعلن في أي وقت أنها تعترف بمقتضى هذه المادة باختصاص اللجنة في تسلم ودراسة بلاغات واردة من أفراد أو نيابة عن أفراد يخضعون لولايتها القانونية ويدعون أنهم ضحايا لانتهاك دولة طرف أحكام الاتفاقيـة". واشترطت أيضا الفقرة 8 من نفس المادة قبول خمس دول أطراف في الاتفاقية بما جاء في هذه الفقرة الأولى حتى تتمكن اللجنة من تسلم البلاغات الفردية ودراستها. كما يجوز سحب هذا القبول لاحقا. ولم توافق إلا ثلاث دول عربية على هذا الاختصاص، وهي: تونس، والجزائر، والمغرب.

وكما هو الحال مثلا بالنسبة للإجراءات الخاصة باختصاص اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بدراسة الشكاوى الفردية عملا بإحكـام البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فإن هناك إجراءات خاصة وشروط يجب أن تلتزم بها "لجنة مناهضة التعذيب" حتى يجوز لها النظر في البلاغات الفردية، وهي أيضا على نوعين:

أ) الإجراءات الشكلية:

1) يجب أن يتعلق البلاغ بانتهاك نص من النصوص التي نصت عليها الاتفاقية.

2) يجب أن يقدم البلاغ كتابيا من فرد أو مجموعة من الأفراد الخاضعين لولاية الدولـة الطرف في الاتفاقية.

3) يجب أن لا يكون البلاغ مجهول المصدر أو مغفل التوقيع أو أنه يشكل إساءة لحق تقديم مثل هذه البلاغات.

4) يتقدم صاحب البلاغ أو من ينوب عنه ببلاغه إلى اللجنة. ويحق لهذه الأخيرة أن تقبل البلاغات التي يقدمها أشخاص آخرين إذا تبين أن ضحية مخالفة أحكام الاتفاقية لا يستطيع أن يقدمها بنفسه أو يعين من يقدمها نيابة عنه.

5) أن يكون صاحب البلاغ قد استنفذ كل طرق الطعن الداخلية، إذا كانت إجراءات هذا الطعن لا تتجاوز آجالا معقولة.

6) أن لا يكون موضـوع البلاغ قد بُحث أو يجري بحثه أمام أية هيئة تحقيق أو تسوية دولية.

ب) الإجراءات الموضوعية:

1) تعقد اللجنة اجتماعات سرية لدراسة البلاغات التي تصلها بمقتضى المادة 22.

2) تبعث اللجنة، بعد ذلك، بوجهة نظرها إلى مقدم البلاغ وإلى الدولة الطرف المعنية. وتضمن تقريرها السنوي المرفوع إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة وجهة نظرها هذه.

ولم تقتصر جهود منظمة الأمم المتحدة في مجال مناهضة التعذيب على اعتماد هذه الاتفاقية الدولية، بل سعت لاعتماد بروتوكول اختياري يضاف إلى هذه الاتفاقية يهدف إلى تعزيز هذه الجهود والوصول بآلية مناهضة التعذيب إلى مراحل متقدمة، بل وأكثر من ذلك، الوصول إلى مرحلة "الوقاية" من التعذيب ونتائجه الخطيرة.

5- في حال نشوء نزاع بين دولتين أو أكثر من الدول الأطراف فيما يتعلق بتفسير الاتفاقية أو تنفيذها

نصت المادة 30 من اتفاقية مناهضة التعذيب على ما يلي:

"1- أي نزاع ينشأ بين دولتين أو أكثر من الدول فيما يتعلق بتفسير هذه الاتفاقية أو تنفيذها ولا يمكن تسويته عن طريق التفاوض، يطرح للتحكم بناء على طلب إحدى هذه الدول فإذا لم تتمكن الأطراف في غضون ستة أشهر من تاريخ طلب التحكيم، من الموافقة على تنظيم التحكيم، يجوز لأى من تلك الأطراف أن يحيل النزاع إلى محكمة العدل الدولية بتقديم طلب وفقا للنظام الأساسي لهذه المحكمة.

2- يجوز لكل دولة ان تعلن في وقت توقيع هذه الاتفاقية أو التصديق عليها أو الانضمام اليها، أنها تعتبر نفسها ملزمة بالفقرة 1 من هذه المادة. ولن تكون الدول الأطراف الأخرى ملزمة بالفقرة 1 من هذه المادة بالنسبة لأى دولة طرف تكون قد أبدت هذا التحفظ.

3- يجوز في أي دولة وقت لأى طرف أبدت تحفظا وفقا للفقرة 2 من هذه المادة أن تثبت هذا التحفظ بإرسال إخطار إلى الأمين العام للأمم المتحدة".

لقد ركزنا على المادة 30 من اتفاقية منهضة التعذيب لنشير إلى أن الجمهورية العربية السورية لم تتحفظ على هذه المادة حين صادقت على اتفاقية مناهضة التعذيب، وهو ما سمح لكل من مملكة هولندا وكندا برفع دعوى بتاريخ 3/6/2023 ضد سورية تتعلق بانتهاكها لأحكام العديد من مواد اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وهذه المواد هي: 2، و7، و10، و11، و12، و13، و14، و15، و16، و1913.

المبحث الثاني

البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة

اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا البروتوكول الاختياري بتاريخ 18/12/2002، ودخل حيز النفاذ بتاريخ: 22/6/2006. ولم تصادق الجمهورية العربية السورية على هذا البرتوكول، وصادقت عليه من البلدان العربية: تونس، والمغرب، وموريتانيا، ولبنان.

تمت الدعوة، من قبل العديد من الخبراء والمنظمات غير الحكومية، لاعتماد بروتوكول اختياري يضاف إلى اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وجاءت هذه الدعوة أيضا في إعلان وبرنامج عمل فينا في المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان لعام 199314.

وتُعّد لجنة حقوق الإنسان15 من أكثر لجان الأمم المتحدة التي اهتمت بموضوع التعذيب. وكانت هذه اللجنة قد شكلت، في الشهر الثاني من عام 1985، فريق عمل خاص بزيارة البلدان المتهمة بممارسة التعذيب. كما عينت هذه اللجنة عدة مقررين لزيارة البلدان المتهمة بممارسة التعذيب16 هذا من جهة. وكان أن قدرت اللجنة، من جهة ثانية، أهمية اعتماد بروتوكول اختياري يضاف إلى اتفاقية مناهضة التعذيب، فكان أن شكلت، في 3/3/1992، فريق عمل كلفته بمهمة تحضير هذا البروتوكول.

وضم هذا الفريق ممثلين عن مختلف أعضاء منظمة الأمم المتحدة سواء منهم من كان عضوا وقتها في لجنة حقوق الإنسان أو لم يكن عضوا فيها. كما ضم الفريق مجموعة من الخبراء الدوليين كالمقرر الخاص للأمم المتحدة بخصوص التعذيب، وممثل عن لجنة الصليب الأحمر، وممثلين عن المنظمات غير الحكومية المعنية بموضوع التعذيب مثل: جمعية الوقاية من التعذيب (APT) 17.

وامتدت اجتماعات فريق العمل على مدار عشر جلسات، وخلال عشر سنوات (من الشهر العاشر من عام 1992 إلى الشهر الأول من عام 2002).

واعتمدت أخيرا، وكما ذكرنا الجمعية العامة للأمم المتحدة البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة في 18/12/2002، ودخل هذا البروتوكول حيز النفاذ في 22/6/2006.

سنتطرق في هذا المبحث إلى المبادئ العامة التي قررها هذا البروتوكول الاختياري (المطلب الأول)، ونرى بعدها تأليف اللجنة الفرعية لمنع التعذيب وولايتها (المطلب الثاني)، وكيف ألزام البروتوكول الدول الأطراف فيه باعتماد آليات وقائية وطنية (المطلب الثالث)، وما تضمنه أخيرا البروتوكول من مواد تتعلق بالإعلانات، والأحكام المالية والختامية (المطلب الرابع).

المطلب الأول

المبادئ العامة

حدد الجزء الأول من البروتوكول الاختياري ، وتحت عنوان "مبادئ عامة"، الهدف منه والذي هو "إنشاء نظام قوامه زيارات منتظمة تضطلع بها هيئات دولية ووطنية مستقلة للأماكن التي يحرم فيها الأشخاص من حريتهم" بقصد "منع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة".

يتضح لنا إذن كيف أن المجتمع الدولي، ومن خلال اعتماد هذا البروتوكول، قد بدأ ينتقل من مرحلة مناهضه التعذيب إلى الوقاية منه عن طريق الزيارات المفروض أن تقوم بها هيئات دولية، يشكلها هذا البروتوكول، أو وثائق دولية أخرى، أو تقوم بها هيئات وطنية مستقلة في الدول الأطراف في هذا البروتوكول للأماكن التي يتواجد فيها أشخاص محرومين من حريتهم حتى يتم تفادى تعرضهم لأي نوع من التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

المطلب الثاني

اللجنة الفرعية لمنع التعذيب

سنبحث في كيفية انتقاء أعضاء هذه اللجنة الفرعية، وسنطلع على ولايتها وطريقة عملها.

أولا: أعضاء اللجنة الفرعية

خصص البروتوكول الاختياري الجزء الثاني منه للبحث في تأليف هذه اللجنة الفرعية والتي تضم 10 أعضاء. ويرتفع عدد هؤلاء الأعضاء إلى 25 عضوا بعد أن تصادق 50 دولة على هذا البروتوكول أو تنضم إليه، (المادة 5، الفقرة 1).

ويتم اختيار هؤلاء الأعضاء "من بين الشخصيات التي تتمتع بخلق رفيع وخبرة مهنية مشهود لهم بها في ميدان إقامة العدل، وخاصة في القانون الجنائي أو إدارة السجون أو الشرطة، أو في شتى الميادين المتصلة بمعاملة الأشخاص المحرومين من حريتهم"، (المادة 5، الفقرة 2).

ويراعي في اختيار هؤلاء الأعضاء التوزيع الجغرافي العادل، وتمثيل مختلف الأنظمة القانونية والأشكال الحضارية للدول الأطراف في البروتوكول. كما يؤخذ بعين الاعتبار تمثيل الجنسين بشكل متوازن "على أساس مبادئ المساواة وعدم التمييز"، ولا يجوز أن تضم اللجنة أكثر من عضو من مواطني دولة واحدة من الدول الأطراف، (المادة 5، الفقرات 3-5).

وينتخب أعضاء اللجنة بصفتهم الفردية، حيث يجب أن يتمتعوا بالاستقلالية والنزاهة "ويكونون على استعداد لخدمة اللجنة الفرعية بصورة فعالة"، (المادة 5، الفقرة 6).

وبينت المادة 6 من البروتوكول الاختياري طريقة ترشيح أعضاء اللجنة الفرعية حيث يجوز لكل دولة طرف أن ترشيح شخصين فقط يحمل أحدهما جنسيتها، وذلك بعد أن يوجه الأمين العام للأمم المتحدة رسالة إلى هذه الأطراف يدعوها فيها لتقديم ترشيحاتها في غضون مهلة ثلاثة أشهر.

وفصلت المادة 7 من جهتها طريقة انتخاب أعضاء اللجنة، حيث يجب أن تراعى بداية الشروط التي نصت عليها المادة 5 من البروتوكول الاختياري، ومن ثم يجرى الانتخاب في موعد لا يتجاوز 6 أشهر من تاريخ دخول هذا البروتوكول حيز النفاذ. ويتم انتخاب أعضاء اللجنة بالاقتراع السري وذلك "في اجتماعات للدول الأطراف تعقد كل سنتين بدعوة من الأمين العام للأمم المتحدة". ويستكمل النصاب القانوني في هذه الاجتماعات بتواجد ثلثي الدول الأطراف في البروتوكول. ويكون الأشخاص المنتخبون "هم الذين يحصلون على أكبر عدد من الأصوات وعلى أغلبية مطلقة من أصوات ممثلي الدول الأطراف الحاضرين والمصوتين"، (المادة 7، الفقرة 1، البند د).

وبحثت المادة 8 من البروتوكول الاختياري في حالة وفاة عضو أو استقالته من اللجنة الفرعية أو في حال عجزه عن القيام بمهامه، حيث تقوم الدول الطرف التي رشحت العضو بترشيح شخص آخر تتوافر فيه الشروط التي نصت عليها المادة 5 من هذا البروتوكول واستكمالا لمدة خلفه وحتى يتم الاجتماع التالي للدول الأطراف، وذلك بعد موافقة غالبية هذه الدول. وتعتبر الموافقة حاصلة "ما لم يصدر عن نصف الدول الأطراف أو أكثر رد سلبي في غضون ستة أسابيع من قيام الأمين العام للأمم المتحدة بإبلاغها بالتعيين المقترح".

ينتخب أعضاء اللجنة الفرعية لمنع التعذيب لمدة 4 سنوات، كما يجوز إعادة انتخابهم مرة واحدة في حال إعادة ترشيحهم. ولكن تنتهي، بعد سنتين، مدة عضوية نصف الأعضاء الذين تم انتخابهم في الانتخاب الأول. ويتم اختيار هؤلاء الأعضاء مباشرة عقب الانتخاب الأول عن طريق القرعة، (المادة 9).

وأوضحت المادة 10 من البروتوكول طريقة عمل مكتب اللجنة الفرعية وكيفية وضع نظامها الداخلي.

ويستفيد، أخيرا، أعضاء اللجنة الفرعية من الامتيازات والحصانات "التي تكون لازمة لممارسه مهامهم على نحو مستقل"، وحسب ما نص عليه البند 22 من اتفاقية امتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها تاريخ 13/2/1946، (المادة 35).

ثانيا: ولاية اللجنة الفرعية

تعتمد هذه الولاية على عدة أنواع من المهام:

1- زيارة أماكن الاحتجاز. تقوم اللجنة الفرعية بزيارة أماكن الاحتجاز التي أشارت إليها المادة 4 من هذا البروتوكول، هذا من ناحية. ويكون من واجبها، من ناحية ثانية، أن تقوم بالمهام التالية:

أ) تقديم التوصيات إلى الدول الأطراف في البروتوكول الاختياري "بشأن حماية الأشخاص، المحرومين من حريتهم، من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، (المادة 11، البند (أ)).

ب) تقديم المساعدة، وإسداء المشورة، للدول الأطراف في البروتوكول فيما يتعلق بالآليات الوقائية الوطنية وإنشائها عند الضرورة. كما يقع على عاتق هذه اللجنة المحافظة على الاتصال المباشر "والسري عند اللزوم" بهذه الآليات، وكذلك "توفير التدريب والمساعدة التقنية لها بغية تعزيز قدراتها". كما أن من واجبها توفير المشورة والمساعدة لهذه الآليات بغرض تقييم الاحتياجات والوسائل اللازمة بقصد تعزيز حماية الأشخاص المحرمين من حريتهم. وتقدم أخيرا التوصيات والملاحظات إلى الدول الأطراف "بغية تعزيز قدرات وولاية الآليات الوقائية الوطنية لمنع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، (المادة 11، البند (ب)).

ج) التعاون مع هيئات الأمم المتحدة وآلياتها، والمنظمات الدولية والإقليمية والوطنية وبخاصة ذات الصلة بقضايا مناهضه التعذيب والوقاية منه وذلك في سبيل "تعزيز حماية جميع الأشخاص من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، (المادة 11، البند (ج)).

2- واجبات الدول الأطراف. ألقت المواد 12 إلى 15 من البروتوكول الاختياري على عاتق الدول الأطراف فيه مجموعة من التعهدات والواجبات حتى تقوم اللجنة الفرعية بمهامها، ونستطيع أن نعرضها كما يلي:

أ) تسهيل الزيارات المنتظمة للجنة الفرعية. تستقبل الدولة الطرف هذه اللجنة على أراضيها، كما عليها أن تيسر وصولها إلى أماكن الاحتجاز كما حددت ذلك المادة 4 من البروتوكول، (المادة 12، البند (أ)).

وتضع هذه اللجنة برنامجا لهذه الزيارات، وعن طريق القرعة، للقيام بما ألقته على عاتقها المادة 11. وتخطر اللجنة بعد التشاور مع الدولة الطرف ببرنامج زياراتها، مما يتيح لهذه الأخيرة اتخاذ الترتيبات اللازمة للزيارات، (المادة 13، الفقرة 1 و2).

ويقوم عضوان على الأقل من أعضاء اللجنة الفرعية بالزيارات. ويمكن، عند الحاجة، أن يرافقهما "خبراء مشهود لهم بالخبرة والدراية الفنية"، في المجالات التي يغطيها البروتوكول الاختياري. ويتم انتقاء هؤلاء الخبراء من قائمة "يجري إعدادها بالاستناد إلى الاقتراحات المقدمة من الدول الأطراف ومفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ومركز الأمم المتحدة لمنع الجريمة الدولية". كما يمكن للدول الأطراف أن تقترح عددا من الخبراء على أن لا يزيد عددهم عن خمسة خبراء. وإذا اعترضت الدولة الطرف على أسم خبير مدرج على قائمة الخبراء، تقوم اللجنة الفرعية باستبداله بخبير آخر، (المادة 13، الفقرة 3).

ويجوز للجنة الفرعية أن تقترح، إذا رأت ذلك مناسبا، استكمال زيارتها العادية بزيارة متابعة قصيرة، (المادة 13، الفقرة 4).

ويمكن للجنة الفرعية أن تختار بكل حرية "الأماكن التي ترغب في زيارتها والأشخاص الذين ترغب في مقابلتهم"، (المادة 14، الفقرة الأولى البند (هـ)).

لا يمكن للدولة الطرف أن تعترض على زيارة لمكان معين للاحتجاز إلا "لأسباب ملحة وموجبة لها علاقة بالدفاع الوطني أو السلامة العامة والكوارث الطبيعية أو اضطراب خطير في المكان المزمع زيارته"، مما سيعرقل القيام بهذه الزيارة. ولا يجوز للدولة الطرف أن تتذرع "بحالة طوارئ معلنة كي يكون ذلك مبررا للاعتراض على الزيارة"، (المادة 14، الفقرة 2).

ب) إجراء المقابلات. يجب على الدولة الطرف أن تتيح للجنة الفرعية فرصة إجراء مقابلات خاصة مع الأشخاص المحرومين من حريتهم من "دون وجود شهود". وتتم هذه المقابلات بصورة شخصية أو بوجود مترجم إذا دعت الحاجة لذلك. كما يجوز للجنة الفرعية أن تلتقي "أي شخص" يمكن أن يزودها بمعلومات لها علاقة بزيارتها، (المادة 14، الفقرة الأولى، البند (د)).

ج) نقل المعلومات. تزود الدولة الطرف اللجنة الفرعية بكل المعلومات التي لها علاقة بتقييم "الاحتياجات والتدابير الواجب اتخاذها بغية تعزيز حماية الأشخاص المحرومين من حريتهم من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة"، (المادة 12، البند (ب)).

ويجب على الدولة الطرف في البروتوكول أن تسمح بوصول كافة المعلومات "وصولا غير مقيد" إلى اللجنة الفرعية والتي تتعلق بعدد الأشخاص المحرومين من حريتهم وأماكن احتجازهم ومنشآتها ومرافقها، وحسب ما نصت عليه المادة 4 من البروتوكول، ومعاملة هؤلاء الأشخاص وظروف احتجازهم، بالإضافة إلى عدد هذه الأماكن ومواقعها (المادة 13، البند الفقرة الأولى، البنود (أ، ب، ج)).

د) حماية من يقوم بتبليغ المعلومات إلى اللجنة الفرعية. حظرت المادة 15 من البروتوكول الاختياري أن تقوم أية سلطة أو أي مسؤول في الدولة الطرف "بإنزال أي عقوبة بأي شخص أو منظمة أو يطبق عليهما العقوبة أو يسمح بهما أو يتغاضى عنها" في حال قيام هذا الشخص أو تلك المنظمة "بتبليغ اللجنة الفرعية لمنع التعذيب أو أعضائها أي معلومات، صحيحة كانت أم خاطئة" كما لا يجوز أن يضار هذا الشخص أو تلك المنظمة "في غير ذلك من الأحوال بأي طريقة أيا كانت".

ثالثا: تقارير اللجنة الفرعية

أحاط البروتوكول الاختياري تقارير اللجنة الفرعية بالسرية. حيث تقوم هذه اللجنة بتبليغ توصياتها وملاحظاتها إلى الدولة الطرف بشكل سري. كما تبلغ أي آلية وقائية وطنية بهذه التوصيات والملاحظات إذا كان لها علاقة بهذا الموضوع، (المادة 16، الفقرة الأولى).

ويحق للجنة الفرعية أن تنشر تقريرها مرفقا بتعليقات الدولة الطرف إذا طلبت منها هذه الدولة أن تفعل ذلك. أما إذا كشفت الدولة الطرف جانبا من تقرير اللجنة الفرعية، فيجوز حينئذ لهذه الأخيرة أن تنشر كامل تقريرها أو جزءا منه، ولكن لا يجوز للجنة أن تنشر "بيانات شخصية دون موافقة صريحة من الشخص المعني"، (المادة 16، الفقرة 2).

وترفع اللجنة الفرعية سنويا إلى لجنة مناهضة التعذيب تقريرا علنيا عن نشاطاتها، (المادة 16، الفقرة 3).

وأعطى البروتوكول الاختياري للجنة مناهضة التعذيب حق إصدار بيان علني أو نشر تقريرها في حال تقاعس الدولة الطرف عن التعاون مع اللجنة الفرعية، حسب ما نصت عليه كل من المادتين 12 و14 من هذا البروتوكول، أو إذا امتنعت هذه الدولة عن اتخاذ خطوات لتحسين الأوضاع على ضوء توصيات هذه اللجنة الفرعية، (المادة 16، الفقرة 4).

المطلب الثالث

الآليات الوقائية الوطنية

سنبحث في تعين أو إنشاء هذه الآليات الوقائية، ونرى بعدها الإمكانيات الممنوحة لهذه الآليات.

أولا: إنشاء الآليات الوقاية الوطنية

ألزمت المادة 17 من البروتوكول الاختياري كل دولة طرف فيه بتعين أو إنشاء "آلية وقائية وطنية مستقلة واحدة أو أكثر لمنع التعذيب على المستوى المحلي"، وذلك في غضون فترة أقصاها عام من دخول هذا البروتوكول حيز النفاذ. كما يجب على هذه الدولة، وعند قيامها بهذه المهمة، الأخذ بعين الاعتبار المبادئ "المتصلة بمركز المؤسسات الوطنية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان"، (المادة 18، الفقرتان 1 و4).

ووضعت المادة 18 من هذا البروتوكول على عاتق الدول الأطراف فيه واجب ضمان الاستقلال الوظيفي لهذه الآليات الوقاية وذلك من خلال اتخاذ التدابير الضرورية "لكي تتوفر لخبراء الآلية الوقائية الوطنية القدرات اللازمة والدراية المهنية". كما على هذه الدول أن تحقق في إنشاء هذه الآليات أو تعينها التوازن بين الجنسين وكذلك "تمثيل ملائم للمجموعات العرقية ومجموعات الأقلية في البلد"، (المادة 18، الفقرة 2).

كما تتعهد الدول الأطراف في البروتوكول بتوفير الموارد اللازمة حتى تقوم هذه الآليات الوقائية الوطنية بمهامها، (المادة 18، الفقرة 3).

ثانيا: إمكانيات الآليات الوقاية الوطنية

يمكن أن نقسم هذه الإمكانيات إلى نوعين:

1- السلطات: منحت المادة 19 من البروتوكول الاختياري مجموعة من السلطات، وكحد أدنى، لتتمكن هذه الآليات أن تقوم بما هو مطلوب منها. ونستطيع أن نعددّ هذه السلطات على النحو التالي:

أ) دراسة معاملة الأشخاص المحرومين من حريتهم وذلك في أماكن الاحتجاز، وبشكل منتظم، حسب ما نصت عليه المادة 4 من هذا البروتوكول، وبهدف تعزيز حمايتهم، إذا لزم الأمر، من التعذيب ومن ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، (المادة 19، البند (أ)).

ب) تقديم توصيات إلى السلطات المعنية، ومع الأخذ بعين الاعتبار المعايير التي وضعتها الأمم المتحدة و ذات الصلة "بغرض تحسين معاملة وأوضاع الأشخاص المحرومين من حريتهم ومنع التعذيب ومن ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة"، (المادة 19، البند (ب)).

ج) تقديم مقترحات وملاحظات لها علاقة بالتشريعات القائمة أو بمشاريع القوانين، (المادة 19، البند (ج)).

2- الوسائل: وضعت المادة 20 من البروتوكول الاختياري مجموعة من الوسائل تحت تصرف هذه الآليات حتى تؤدي مهامها. أما هذه الوسائل فهي:

أ) الحصول على كل المعلومات الخاصة بعدد الأشخاص المحرومين من حريتهم الموجودين في أماكن الاحتجاز وعددها ومواقعها، وحسب ما نصت عليه المادة 4 من هذا البروتوكول، (المادة 20، البند (أ)).

ب) الحصول على كل المعلومات الخاصة بمعاملة الأشخاص المحرومين من حريتهم بالإضافة إلى ظروف احتجازهم، (المادة 20، البند (ب)).

ج) الوصول إلى جميع أماكن ومنشآت ومرافق احتجاز الأشخاص المحرومين من حريتهم، (المادة 20، البند (ج)).

د) إجراء مقابلات خاصة مع الأشخاص المحرومين من حريتهم "من دون وجود شهود ومقابلتهم إما بصورة شخصية وإما من خلال مترجم" إذا كان هناك ضرورة لذلك. كما يمكن تفعيل آلية الوقاية أن تتم مقابلة أي شخص آخر " يمكن أن يقدم معلومات ذات صلة"، (المادة 20، البند (د)).

هـ) التمتع بحرية اختيار الأماكن التي يمكن أن تحقق الهدف من آلية الوقاية، وحرية مقابلة الأشخاص، (المادة 20، البند (هـ)).

و) التمتع بحق إجراء الاتصالات مع اللجنة الفرعية لمنع التعذيب والاجتماع بها وموافاتها بالمعلومات، (المادة 20، البند (و)).

المطلب الرابع

الإعلانات والأحكام المالية والختامية

سنبحث في حق الدول الأطراف بتقديم الإعلانات، ومن ثم في الأحكام المالية، واخيرا في الأحكام الختامية للبروتوكول.

أولا: الإعلانات.

أعطت الفقرة الأولى من المادة 24 في الجزء الخامس من البروتوكول الاختياري للدول الأطراف فيه حق إصدار "إعلان" يسمح لها "بتأجيل التزاماتها" فيما يتعلق سواء بالجزء الثالث أي "ولاية اللجنة الفرعية للتعذيب"، أو الجزء الرابع أي "الآليات الوقائية الوطنية".

وحددت الفقرة 2 من نفس المادة فترة التأجيل بثلاثة سنوات. ويمكن للجنة مناهضة التعذيب أن تمدد هذه الفترة لسنتين أخيرتين وذلك "على إثر تقديم الدولة الطرف لما يلزم من الحجج وبعد التشاور مع اللجنة الفرعية لمنع التعذيب".

ثانيا: الأحكام المالية

خصص البروتوكول جزئه السادس بمادتيه 25 و26 للأحكام المالية. ولعل أهم ما جاء في هذه الأحكام، هو ما نصت عليه المادة 26 بخصوص إنشاء صندوق "للمساعدة في تمويل تنفيذ التوصيات التي تقدمها اللجنة الفرعية لمنع التعذيب إلى دولة طرف أثر قيامها بزيارة لها، فضلا عن البرامج التعليمية للآليات الوقائية"، (المادة 26، الفقرة الأولى).

وأجازت الفقرة 2 من نفس المادة تمويل هذه الصندوق عن طريق التبرعات التي يمكن أن تقدمها مختلف الحكومات والمنظمات الحكومية وغير الحكومية والمؤسسات والشركات....الخ.

ثالثا: الأحكام الختامية

جاء النص على هذه الأحكام النهائية في الجزء السابع من البروتوكول الاختياري. وتضمنت هذه الأحكام ما نجده عادة في العديد من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، ولكن أهم ما جاء في هذه الأحكام ما نصت عليه المادة 30 من عدم جواز تقديم أية تحفظات على هذا البروتوكول الاختياري، وكذلك سريان أحكامه على كل أجزاء الدول الاتحادية "دون أية قيود أو استثناءات"، (المادة 29).

وأوضح هذا الجزء السابع بأن أحكام البروتوكول الاختياري لا تمس ما يمكن أن تكون قد ارتبطت به الدول الأطراف فيه من التزامات بمقتضى أحكام اتفاقيات إقليمية تنص على تأسيس أنظمة لزيارة أماكن احتجاز، أو بمقتضى أحكام اتفاقيات جنيف الأربع والمتعلقة بزيارة اللجنة الدولية للصليب الأحمر لأماكن الاحتجاز أو الاعتقال، (المادتان 31 و32).

خاتمة

لقد قمنا بإعداد هذه الدراسة معتمدين بالدرجة الأولى على كتب ودراسات سابقة لنا، بقصد:

التذكير أولا، بمضمون اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ: 10/12/1984، ودخلت جيز النفاذ بتاريخ: 26/6/1987. وصادقت الجمهورية العربية السورية على هذه الاتفاقية الدولية، مع بعض التحفظات، بتاريخ: 19/8/2004.

والسؤال المطروح: هل ستؤكد هذه الاستراتيجية الوطنية السورية لمناهضة التعذيب على واجبات تقديم تقارير دورية للجنة مناهضة التعذيب؟ وهل ستتضمن برامج لتأهيل من سيقوم بإعداد تقارير الجمهورية العربية السورية الواجب إرسالها إلى هذه اللجنة؟ وهل سيتم التنسيق بين مختلف الوزارات والإدارات المعنية بمواضيع هذه التقارير؟

السعي ثانيا، لرفع تحفظات الجمهورية العربية السورية على بعض مواد الاتفاقية وقبول بالالتزام ببعض موادها مثل المادة 21 التي تسمح للجنة مناهضة التعذيب باستلام البلاغات الحكومية عن ممارسة التعذيب والنظر فيها، وكذلك القبول بالمادة 22 من الاتفاقية التي تسمح للجنة باستلام البلاغات الفردية عن ممارسة التعذيب والنظر فيها.

لفتنا النظر ثالثا، إلى أن الجمهورية العربية السورية لم تصادق بعد البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 18/12/2002، ودخل حيز النفاذ بتاريخ: 22/6/2006.

ونرى بأنه المصادقة على هذا البروتوكول ضرورة قانونية وحيوية وإنسانية ملحة إذا أردنا أن نتحدث بالفعل عن استراتيجية وطنية نبدأ فيها بإيجاد الطرق التي تقف في وجه ممارسة أي ضرب من ضروب التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وحين لا تفلح آلية الوقاية نسعى وقتها لمناهضة التعذيب ومحاربته بكل أشكاله. ولا ننسى بأن المصادقة على هذا البروتوكول الاختياري يتطلب تأسيس لجنة وطنية سورية للوقاية من التعذيب، وهو موضوع يصب فيما سبق أن كتبنا عنه بخصوص تأسيس لجنة وطنية سورية مستقلة لحقوق الإنسان18. ويمكن في هذا الخصوص الاستفادة من تجربة الجمهورية اللبنانية حيث توجد لجنة الوقاية من التعذيب كواحدة من لجان الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان19، والتواصل معها بقصد تعزيز التعاون وتبادل الخبرات.

هذه مجموعة من المعلومات والأسئلة والمقترحات نضعها تحت تصرف القائمين على إعداد الاستراتيجية الوطنية السورية لمناهضة التعذيب لعلها تساهم بدعم هذه الاستراتيجية وتحسينها والارتقاء بها إلى المستويات التي يطلع إليها كل مواطن سوري، وكل من كان في يوم ما ضحية أي ضرب من ضروب التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة في الجمهورية العربية السورية.



[1] انظر، تاريخ الاطلاع: 13/5/2026:

https://sana.sy/locals/2474093

[2] انظر، محمد أمين الميداني، مدخل إلى الحماية الدولية لحقوق الإنسان، منشورات المركز العربي للتربية على القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، طبعة جديدة، ستراسبورغ، 2026، ص 46 وما بعدها.

[3] يمكن الرجوع إلى نص هذه الاتفاقية في: محمود شريف بسيوني (إعداد)، الوثائق الدولية المعنية بحقوق الإنسان، المجلد الثاني: الوثائق الإسلامية والإقليمية، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى 2003، ص 241 وما بعدها.

انظر بخصوص هذه الاتفاقية الأمريكية، محمد أمين الميداني، الآليات الوقائية الدولية والإقليمية لحماية حقوق الإنسان، الطبعة الأولى، منشورات شركة المؤسسة الحديثة للكتاب، طرابلس، لبنان، 2019، ص 46 وما بعدها.

[4] انظر بخصوص هذه الاتفاقية الأوروبية، الميداني، المرجع السابق، ص 70 وما بعدها.

[5] انظر بخصوص هذه الاتفاقية الأمريكية، الميداني، المرجع السابق، ص 53 وما بعدها.

[6] انظر بخصوص هذا البروتوكول الأفريقي، الميداني، المرجع السابق، ص 150 وما بعدها.

[7] انظر بخصوص هذه الاتفاقية الأوروبية، الميداني، المرجع السابق، ص 87 وما بعدها.

[8] انظر:

D. ROUGET, Mécanismes universels et régionaux de lutte contre la torture, Association pour la prévention de la tortue, Genève, 2000, p.15.

[9] نذكر بأنه تم إلغاء دور هذه اللجنة الأوروبية بعد دخول البروتوكول رقم 11 المضاف إلى الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان حيز النفاد في 1/11/1998.

[10] انظر بخصوص هذه المادة، محمد أمين الميداني: النظام الأوروبي لحماية حقوق الإنسان، الطبعة الخامسة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2023، ص 65 وما بعدها.

[11] انظر:

ROUGET, op. cit., p.19.

[12] تضم اللجنة حاليا خبيرا من المغرب.

[13] انظر، محمد أمين الميداني، "الجمهورية العربية السورية واتفاقية مناهضة التعذيب ومحكمة العدل الدولية"، نُشرت هذه الدراسة على موقع المركز العربي للتربية على القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، ستراسبورغ، فرنسا، أستاذ محاضر، جامعة ستراسبورغ، تاريخ النشر 10/4/2025، على الرابط:

https://acihl.org/articles.htm?article_id=91

[14] انظر البند رقم [61] من هذا الإعلان، في: المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان، وثائق مختارة، إصدار مؤسسة "الحق"، رام الله، 1995، ص 129.

[15] نذكر بأن تم استبدال لجنة حقوق الإنسان في عام 2006، بمجلس حقوق الإنسان بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة.

[16] انظر، باسـكال بوكو، "الكفاح ضد التعذيب في العالم" في: محمد أمين الميداني، ترجمات في الحماية الدولية لحقوق الإنسان، الطبعة الأولى، منشورات مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان، تعز، اليمن، 2000، ص 111-112.

[17] انظر:

www.apt.ch

[18] انظر، محمد أمين الميداني، "مدخل إلى تأسيس مؤسسة وطنية سورية لحقوق الإنسان"، نُشرت هذه الدراسة على موقع المركز العربي للتربية على القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، ستراسبورغ، فرنسا، تاريخ النشر 27/2/2025:

https://acihl.org/articles.htm?article_id=89

[19] انظر رابط الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان:

https://nhrclb.org/

back