مصادقة سورية على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري

This article is not available in English, but the Arabic version is available

تّدل ظاهرة الاختفاء القسري على الطبيعة الخطيرة والبشعة واللاإنسانية التي عرفتها عدة بلدان، مما دفع بالجمعية العامة للأمم المتحدة للاهتمام بهذه الظاهرة ومحاولة إيجاد أساليب مختلفة لعلاجها1، إلى أن اعتمدت أخيرا هذه الجمعية العامة الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري بتاريخ 20/12/2006، ودخلت هذه الاتفاقية حيز النفاذ في 23/12/20102.

وشكلت ظاهرة الاختفاء القسري محنة من بين العديد من المحن التي عرفتها سورية منذ اندلاع الثورة عام 2011. وهذا ما دفعنا لإعداد هذا البحث وبخاصة بعد اكتشاف مأساة الاختفاء القسري لعائلة (العباسي) السورية، والنتائج الخطيرة والصادمة التي حلت بأفراد هذه العائلة بدءا من الوالدين الدكتورة رانيا العباسي وزوجها الدكتور عبد الرحمن ياسين ووصولا إلى أولادهما.

ويجب استخلاص عدة عبر من هذه المأساة وغيرها كثير كثير، ويجب أن نركّز على ثغرة كبيرة تتعلق بالتزامات الجمهورية العربية السورية في مجال حماية حقوق الإنسان، والمتمثلة في عدم مصادقتها حتى الآن على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 2006، علما بأنها صادقت على الاتفاقيات الدولية وعدد من البروتوكولات الملحقة بها، وهي:

1- الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري والتي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 7/3/1966، ودخلت حيز النفاذ في 4/1/1969. وصادقت سورية على هذه الاتفاقية في 21/4/1969.

2- العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 16/12/1966، ودخل حيز النفاذ في 3/1/1976. وصادقت سورية على هذا العهد في 21/4/1969.

3- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 16/12/1966، ودخل حيز النفاذ في 23/3/1976. وصادقت سورية على هذا العهد في 21/4/1969.

4- اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 18/12/1979، ودخلت حيز النفاذ في 3/9/1981. وصادقت سورية على هذه الاتفاقية في 28/3/2003.

5- اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبات القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 10/12/1984، ودخلت حيز النفاذ في 26/6/1987. وصادقت سورية على هذه الاتفاقية في 19/8/2004.

6- اتفاقية حقوق الطفل التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 20/11/1989، ودخلت حيز النفاذ في 2/9/ 1990. وصادقت سورية على هذه الاتفاقية في 15/7/1993.

7- البروتوكول الاختياري الأول الملحق باتفاقية حقوق الطفل المتعلق ببيع الأطفال وبغاء الأطفال واستغلال الأطفال في المواد الإباحية والذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 25/5/2000، ودخل حيز النفاذ في 18/1/2002. وصادقت سورية على هذا البروتوكول في 15/5/2003.

8- البروتوكول الاختياري الثاني الملحق باتفاقية حقوق الطفل المتعلق باشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة والذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 25/5/2000، ودخل حيز النفاذ في 12/2/2002. وصادقت سورية على هذا البروتوكول في 17/10/2003.

9- الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 18/12/1990، ودخلت حيز النفاذ في 1/7/20033. وصادقت سورية على هذه الاتفاقية في 2/6/2005.

10- اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 13/12/2006، ودخلت حيز النفاذ في 3/5/2008. وصادقت سورية على هذه الاتفاقية في 10/7/2009.

11- البروتوكول الاختياري المضاف إلى اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 13/12/2006، ودخلت حيز النفاذ في 3/5/2008. وصادقت سورية على هذا البروتوكول في 10/7/2009.

سنتطرق في هذا البحث إلى مضمون الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري (المبحث الأول)، ونطلع بعدها على آليه هذه الاتفاقية الدولية (المبحث الثاني).

المبحث الأول

مضمون الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري

سنبدأ بعرض الخلفية التاريخية لاعتماد الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري. حيث تمهد عادة منظمة الأمم المتحدة الطريق لاعتماد اتفاقيات دولية لحماية حقوق الإنسان ملزمة للدول التي تصادق عليها أو تنضم إليها، باعتماد إعلانات تهيئ الأجواء وتضع الدول الأعضاء في هذه المنظمة في صورة الأوضاع التي تعرض هذه الحقوق للانتهاك، وتجعل العديد من الأفراد ضحايا مختلف أنواع الانتهاكات. وسبق على سبيل المثال لهذه المنظمة الدولية أن اعتمدت إعلانا بخصوص حقوق الطفل عام 1959، ومن ثم اعتمدت اتفاقية حقوق الطفل عام 1989.

أما فيما يخص ظاهرة الاختفاء القسري، فقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري بتاريخ 18/12/1992، ليتم لاحقا وفي عام 2006 اعتماد الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.

كما تم نشر العديد من التقارير لمختلف الفرق العاملة في مجال حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، نذكر منها:

1- تقرير الفريق العامل بين الدورات المفتوح العضوية، المعني بوضع مشروع صك معياري ملزم قانونًا لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 20034.

2- تقرير الفريق العامل بين الدورات المفتوح العضوية، المعني بوضع مشروع صك معياري ملزم قانونًا لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 20045.

3- تقرير الفريق العامل بين الدورات المفتوح العضوية، المعني بوضع مشروع صك معياري ملزم قانونًا لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 20056.

4- تقرير الفريق العامل بين الدورات المفتوح العضوية، المعني بوضع مشروع صك معياري ملزم قانونًا لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 20067.

ويمكن أن ندرس مضمون الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري من خلال التطرق إلى بعض التعاريف التي تضمنتها (المطلب الأول)، وما نصت عليه من الحق في جبر الضرر (المطلب الثاني)، والالتزامات الملقاة على عاتق الدول الأطراف فيها (المطلب الثالث)، وأخيرا الاهتمام بالأطفال ضحايا الاختفاء القسري (المطلب الرابع).

المطلب الأول

تعاريف

نصت هذه الاتفاقية الدولية على مجموعة من التعاريف الهامة، وهي:

أولا: الاختفاء القسري

أوضحت المادة 2 من هذه الاتفاقية المقصود بالاختفاء القسري، فهو: "الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، مما يحرمه من حماية القانون".

يكاد أن يغطي هذا التعريف مختلف أشكال الاختفاء القسري من ناحية، وتوصيف المسؤولين عنه من موظفين، وأشخاص، ومجموعات أفراد من ناحية ثانية. كما أنه يعّدد من أشكال الاختفاء مثل: الاعتقال، أو الاحتجاز، أو الاختطاف، أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية التي يجب أن يتمتع بها كل إنسان. وينتج عن الحرمان من الحرية الحرمان من حماية القانون الذي يصونها ويسهر على ضمانتها.

ثانيا: الضحية

حددت الفقرة الأولى من المادة 24 من الاتفاقية هذا المصطلح: "1- لأغراض هذه الاتفاقية، يقصد ب‍ "الضحية" الشخص المختفي، وكل شخص طبيعي لحق به ضرر مباشر من جراء هذا الاختفاء القسري".

يتضح من هذا التعريف بأن مفهوم الشخص المختفي لا يقتصر فقط على الضحية، بل يشمل أيضا كل إنسان أصابه ضرر مباشر بسبب هذا الاختفاء. بمعنى آخر، أفراد أسرة المختفي، أو من يعيلهم ينظر إليهم على أنهم أيضا "ضحايا" بشكل أو بآخر نتيجة اختفاء شخص ما.

المطلب الثاني

جبر الضرر

أولا: إلزامية جبر الضرر

ألزمت الفقرة 4 من المادة 24 من هذه الاتفاقية كل دولة طرف فيها بأن يضمن نظامها القانوني لضحايا الاختفاء القسري "الحق في جبر الضرر والحصول على تعويض بشكل سريع ومنصف وملائم".

ونرى بذلك أن "جبر الضرر" هو ركن أساس في احترام مضمون هذه الاتفاقية الدولية، وأكدت أيضا على أن "التعويض" ركن آخر يعّزز هذا الاحترام، وركّزت أيضا على أهمية السرعة في التعويض الذي يجب أن يكون منصفا وملائما لما لحق بالضحية من أضرارا.

ثانيا: طرائق جبر الضرر

وحددت من جهتها الفقرة 5 من المادة 24 من الاتفاقية بعض طرائق جبر الضرر فذكرت:

"أ) رد الحقوق؛

ب- إعادة التأهيل؛

ج- الترضية، بما في ذلك رد الاعتبار لكرامة الشخص وسمعته؛

د- ضمانات بعدم التكرار".

يعتبر جبر الضرر جزءا لا يتجزأ من حقوق ضحايا الاختفاء القسري. ولا يكفي التأكيد على مبدأ جبر الضرر بل يجب اتباع ما نصت عليه الاتفاقية من طرائق لوضع هذا المبدأ موضع التنفيذ. كما يمكن للدول الأطراف في الاتفاقية أن تجتهد وتزيد من هذه الطرائق تبعا لتنوع أشكال الاختفاء القسري الذي عرفته سنوات الحرب في سورية، آخذين بعين الاعتبار فداحة الأضرار التي لحقت بالعديد من العائلات والتي لا تزال تنتظر حتى الآن معرفة مصير من فقدتهم وكيف يمكن جبر أضرارها الكثيرة والمتنوعة8.

المطلب الثالث

الالتزامات الملقاة على عاتق الدول الأطراف في الاتفاقية

فرضت الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري على الدول الأطراف فيها مجموعة من الالتزامات التالية:

أولا: لا يجوز تعريض أحد للاختفاء القسري أو تبريره

أوضحت الفقرة المادة الأولى من هذه الاتفاقية: "بأن لا يجوز تعريض أي شخص للاختفاء القسري". وأكدت الفقرة 2 من نفس المادة بأنه لا يجوز تبرير الاختفاء القسري بسبب الظروف الاستثنائية التي يمكن تتعرض لها دولة ما مثل: "حالة حرب أو التهديد باندلاع حرب، أو بانعدام الاستقرار السياسي الداخلي". ويتضح بهذا الشكل بأن المبررات التي تقدمها الدول في ظل ظروف استثنائية لا تبرر الاختفاء القسري، علما بأن هذه المبررات، وفي كثير من الأحوال، مصطنعة ووهمية ويراد استغلالها لممارسة الاختفاء القسري.

ثانيا: تجريم الاختفاء القسري

ركّزت المادة 4 من هذه الاتفاقية على أهمية وضرورة تجريم الاختفاء القسري في القوانين الجنائية للدول الأطراف فيها.

ثالثا: توصيف جريمة الاختفاء القسري

كانت واضحة المادة 5 من الاتفاقية حين اعتبرت ممارسة الاختفاء القسري بشكل عام أو بشكل منهجي :" جريمة ضد الإنسانية كما تم تعريفها في القانون الدولي المطبق وتستتبع العواقب المنصوص عليها في ذلك القانون"9.

رابعا: المسؤولية الجنائية

أوضحت الفقرة الأولى من المادة 6 من الاتفاقية على من تقع المسؤولية الجنائية في حالة الاختفاء القسري:

"(أ) لكل من يرتكب جريمة الاختفاء القسري، أو يأمر أو يوصي بارتكابها أو يحاول ارتكابها، أو يكون متواطئا أو يشترك في ارتكابها؛

(ب) الرئيس الذي:

1 كان على علم بأن أحد مرؤوسيه ممن يعملون تحت إمرته ورقابته الفعليتين قد ارتكب أو كان على وشك ارتكاب جريمة الاختفاء القسري، أو تعمد إغفال معلومات كانت تدل على ذلك بوضوح؛

2 كان يمارس مسؤوليته ورقابته الفعليتين على الأنشطة التي ترتبط بها جريمة الاختفاء القسري؛

3 لم يتخذ كافة التدابير اللازمة والمعقولة التي كان بوسعه اتخاذها للحيلولة دون ارتكاب جريمة الاختفاء القسري أو قمع ارتكابها أو عرض الأمر على السلطات المختصة لأغراض التحقيق والملاحقة؛

(ج) ليس في الفقرة الفرعية (ب) أعلاه إخلال بالقواعد ذات الصلة التي تنطوي على درجة أعلى من المسؤولية والواجبة التطبيق بموجب القانون الدولي على قائد عسكري أو على أي شخص يقوم فعلا مقام القائد العسكري".

كما أكدت الفقرة 2 من المادة 6 من الاتفاقية على أنه: "لا يجوز التذرع بأي أمر أو تعليمات صادرة من سلطة عامة أو مدنية أو عسكرية أو غيرها لتبرير جريمة الاختفاء القسري".

وتذكرنا هذه الفقرة 2 من المادة 6 بما نصت عليه الفقرة 3 من المادة 2 من اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة لعام 1984: "لا يجوز التذرع بالأوامر الصادرة عن موظفين أعلى مرتبة أو عن سلطة عامة كمبرر للتعذيب". وسبق أن صادقت الجمهورية العربية السورية على اتفاقية مناهضة التعذيب10.

خامسا: العقوبات المفروضة على جريمة الاختفاء القسري

ألزمت الفقرة الأولى من المادة 7 من الاتفاقية الدول الأطراف فيها بفرض عقوبات ملائمة على جريمة الاختفاء القسري مع الأخذ بعين الاعتبار "شدة جسامة هذه الجريمة".

وأتاحت الفقرة 2 من المادة 7 من الاتفاقية للدول الأطراف تحديد بعض الظروف المشددة أو المخففة: "يجوز لكل دولة طرف أن تحدد ما يلي:

(أ) الظروف المخففة، وخاصة لكل من يساهم بفعالية، رغم تورطه في ارتكاب جريمة اختفاء قسري، في إعادة الشخص المختفي وهو على قيد الحياة، أو في إيضاح ملابسات حالات اختفاء قسري، أو في تحديد هوية المسؤولين عن اختفاء قسري؛

(ب) مع عدم الإخلال بإجراءات جنائية أخرى، الظروف المشددة، وخاصة في حالة وفاة الشخص المختفي أو إزاء من تثبت إدانتهم بارتكاب جريمة الاختفاء القسري في حق نساء حوامل، أو قصر، أو معوقين، أو أشخاص آخرين قابلين للتأثر بشكل خاص".

ونلاحظ كيف أن البند (ب) من الفقرة 2 من المادة 7 من الاتفاقية قد اهتم بتشديد الإجراءات الجنائية بحق المسؤولين عن اختفاء النساء الحوامل، أو القصر، أو المعاقين، أو الأشخاص الذين يمكن أن يتأثروا بشكل خاص.

سادسا: سؤال التقادم

نصت المادة 8 من هذه الاتفاقية إلى سؤال التقادم فيما يتعلق بجريمة الاختفاء القسري، وأوضحت، وبعد الأخذ بعين الاعتبار، المادة 5 من الاتفاقية التي تطرقت إلى توصيف جريمة الاختفاء القسري كجريمة ضد الإنسانية، على ما يلي:

"1- تتخذ كل دولة طرف تطبق نظام تقادم بصدد الاختفاء القسري التدابير اللازمة بحيث تكون فترة تقادم الدعاوى الجنائية:

(أ) طويلة الأمد ومتناسبة مع جسامة هذه الجريمة؛

(ب) تبدأ عند نهاية جريمة الاختفاء القسري، نظرا إلى طابعها المستمر؛

2- تكفل كل دولة طرف حق ضحايا الاختفاء القسري في سبيل انتصاف فعلي خلال فترة التقادم".

وجهت هذه المادة 8 الدول الأطراف إلى كيفية التعامل مع موضوع التقادم بشكل لا يؤثر على محاسبة المسؤولين عن الاختفاء القسري ويحّد قدر الإمكان من سقوط الدعاوى في حقهم.

سابعا: الاختصاص المكاني والاختصاص الشخصي

أوضحت الفقرة الأولى من المادة 9 من الاتفاقية مجال تطبيق مختلف أحكامها من حيث المكان، والتدابير التي يجب اتخاذها في حالات البت بجريمة الاختفاء القسري. وتكون الدول الطرف مختصة:

"(أ) عندما تكون الجريمة قد ارتكبت داخل أي إقليم يخضع لولايتها القضائية أو على متن طائرات أو سفن مسجلة في هذه الدولة؛

(ب) عندما يكون مرتكب الجريمة المفترض من رعاياها؛

(ج) عندما يكون الشخص المختفي من رعاياها وترى الدولة الطرف هذه ملاءمة إقرار اختصاصها".

تكون إذن الدولة الطرف مختصة إذا وقعت جريمة الاختفاء القسري في أقليم من أقاليمها، هذا من طرف. وتكون مختصة من طرف آخر، إذا كان الشخص ضحية الاختفاء القسري من رعاياها.

وتبين الفقرة 2 من المادة 9 واجب الدولة الطرف باتخاذ الإجراءات المتعلقة بالإقرار باختصاصها فيما يتعلق بجريمة الاختفاء القسري. وتبقي الفقرة 3 من هذه المادة المجال مفتوحا فيما يتعلق بأي "اختصاص جنائي آخر تجري ممارسته وفقا للقوانين الوطنية".

ثامنا: احتجاز المتهم بارتكاب جريمة الاختفاء القسري وإحالته للجهات القضائية المختصة

أكدت كل من المادتين 10 و11 من الاتفاقية على ضرورة احتجاز الدول الأطراف في الاتفاقية لكل من يشتبه بارتكابه جريمة الاختفاء القسري وعلى إحالته للأجهزة القضائية المختصة لمباشرة الدعوى القضائية في حقه.

وأكدت الفقرة 3 من المادة 11 من الاتفاقية على مبدأ المحاكمة العادلة والتي يجب تطبيقها بغض النظر عن الجاني وشكل الجريمة وخطورتها حيث جاء في هذه الفقرة: "كل شخص ملاحق لارتكابه جريمة اختفاء قسري يتمتع بضمان معاملته معاملة عادلة في جميع مراحل الدعوى. وكل شخص يحاكم لارتكابه جريمة اختفاء قسري تجرى لـه محاكمة عادلة أمام محكمة مختصة ومستقلة ونزيهة تنشأ وفقا للقانون".

تاسعا: حقوق ضحايا الاختفاء القسري

تؤكد المادة 12 من الاتفاقية على حقوق كل ضحية من ضحايا الاختفاء القسري، وتكفل له الفقرة الأولى من هذه المادة : "حق إبلاغ السلطات المختصة بالوقائع وتقوم هذه السلطات ببحث الادعاء بحثا سريعا ونزيها وتجري عند اللزوم ودون تأخير تحقيقا متعمقا ونزيها". ويجب في المقابل "ضمان حماية الشاكي والشهود وأقارب الشخص المختفي والمدافعين عنهم، فضلا عن المشتركين في التحقيق، من أي سوء معاملة أو ترهيب بسبب الشكوى المقدمة أو أية شهادة يدلى بها".

كما يجب على الدول الأطراف في الاتفاقية، وبحسب الفقرة 3 من المادة 12، ولضمان تنفيذ ما نصت عليه الفقرة الأولى منها، أن يكون لدى السلطات المختصة:

"(أ) الصلاحيات والموارد اللازمة لإنجاز التحقيق، بما في ذلك إمكانية الاطلاع على الوثائق وغيرها من المعلومات ذات الصلة بالتحقيق الذي تجريه؛

(ب) سبل الوصول، وعند الضرورة بإذن مسبق من محكمة تبت في الأمر في أسرع وقت ممكن، إلى مكان الاحتجاز وأي مكان آخر تحمل أسباب معقولة على الاعتقاد بأن الشخص المختفي موجود فيه".

عاشرا: جريمة الاختفاء القسري ليست جريمة سياسية

أكدت الفقرة الأولى من المادة 13 من الاتفاقية على عدم اعتبار جريمة الاختفاء القسري "جريمة سياسية، أو جريمة متصلة بجريمة سياسية، أو جريمة تكمن وراءها دوافع سياسية"، مما يعني بأنه لا يجوز رفض تسليم شخص قام بارتكاب جريمة الاختفاء القسري.

وكما هو متعارف عليه، فإن بعض التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية تحرم تسليم المجرم السياسي11.

بل أكدت الفقرة 2 من نفس المادة بأن جريمة الاختفاء القسري تعتبر من بين الجرائم الموجبة للتسليم، ويجب الإشارة إلى ذلك في كل معاهدة تسليم تبرم بين الدول الأطراف في الاتفاقية وبحسب ما نصت عليه الفقرة 3 من هذه المادة.

حادي عشر: برامج التدريب المقدم للموظفين العسكريين أو المدنيين المكلفين بإنفاذ القوانين والموظفين الطبيين، وموظفي الخدمة المدنية

أكدت الفقرة الأولى من المادة 23 من الاتفاقية على أهمية التدريب الذي يجب أن يخضع له الموظفين العسكريين أو المدنيين المكلفين بإنفاذ القوانين والموظفين الطبيين، وموظفي الخدمة المدنية. فسيتعامل كل هؤلاء الأشخاص مع قضايا الاختفاء القسري، وسيكونون في الصفوف الأولى لإيجاد حلول لهذه القضايا. فلا بد من أن يحصلوا على التدريب والتثقيف اللازمين فيما يتعلق بمختلف أحكام هذه الاتفاقية، وذلك بهدف:

"(أ) منع تورط هؤلاء الموظفين في حالات الاختفاء القسري؛

(ب) التشديد على أهمية منع الاختفاء القسري وإجراء التحقيقات في هذا المجال؛

(ج) ضمان الاعتراف بضرورة تسوية حالات الاختفاء القسري على وجه السرعة".

كما يجب في المقابل، وحسب الفقرة 2 من المادة 23، أن تحظر كل دولة طرف في الاتفاقية إصدار أي أوامر أو تعليمات ينتج عنها الاختفاء القسري، أو أن تأذن هذه الأوامر بالاختفاء القسري أو تشجع عليه. وشددت هذه الفقرة على ضرورة ألا يخضع الشخص الذي لا ينفذ أوامر أو تعليمات تؤدي للاختفاء القسري لأي عقوبات.

وبينت الفقرة 3 من المادة 23 أن على الدولة الطرف في الاتفاقية تسهيل قيام الأشخاص الذي ذكرتهم الفقرة الأولى من هذه المادة بإبلاغ رؤسائهم عن حالات الاختفاء القسري، وإبلاغ أيضا مختلف سلطات أو هيئات الرقابة أو الطعن المعنية بهذه الحالات.

المطلب الرابع

الاهتمام بالأطفال ضحايا الاختفاء القسري

يحب أن نركّز على المادة 25 من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري والتي بحثت في فئة هشة تكون في معظم الأحيان ضحية مباشرة للاختفاء القسري، ونقصد بها الأطفال. وتطرقت إلى هذه المادة إلى النقاط التالية:

أولا: الجرائم التي يجب معاقبتها جنائيا

ألزمت الفقرة الأولى من المادة 25 من الاتفاقية الدول الأطراف فيها باتخاذ كل التدابير اللازمة بقصد منع مجموعة من الجرائم والمعاقبة عليها أيضا، وبينت هذه الفقرة تلك الجرائم:

"(أ) انتزاع الأطفال الخاضعين لاختفاء قسري أو الذين يخضع أحد أبويهم أو ممثلهم القانوني لاختفاء قسري، أو الأطفال الذين يولدون أثناء وجود أمهاتهم في الأسر نتيجة لاختفاء قسري؛

(ب) تزوير أو إخفاء أو إتلاف المستندات التي تثبت الهوية الحقيقية للأطفال المشار إليهم في الفقرة الفرعية (أ) أدناه".

طرقت هذه الفقرة لأنواع مختلفة من الجرائم المرتبطة بظاهرة الاختفاء القسري وما يسفر عنها من مختلف النتائج التي تؤثر على الأطفال بشكل مباشر.

ثانيا: تحديد هوية الأطفال ضحايا الاختفاء القسري

يجب على الدول الأطراف، وبمقتضى الفقرة 2 من المادة 25، اتخاذ التدابير اللازمة فيما يتعلق بالأطفال الذي أشار إليهم البند (أ) من الفقرة الأولى الآنفة الذكر بقصد "تحديد هويتهم وتسليمهم إلى أسرهم الأصلية وفقا للإجراءات القانونية والاتفاقات الدولية الواجبة التطبيق".

يلعب تحديد هوية الأطفال دورا أساسيا في إنهاء معاناتهم من الاختفاء القسري، ويساعد لاحقا على معرفة أسرهم الأصلية ليتم تسليمهم إليها.

ثالثا: التعاون بين الدول الأطراف في مجال البحث عن الأطفال

وأكدت الفقرة 3 من المادة 25 على ضرورة التعاون بين الدول الأطراف في مجال البحث عن الأطفال، وأن تساعد كل دولة طرف دولة أخرى طرف في مجال تحديد هوية هؤلاء الأطفال ومكان وجودهم.

رابعا: الحرص على المصلحة الفضلى للأطفال

أشارت الفقرة 4 من المادة 25، مع الأخذ بعين الاعتبار الحفاظ على المصلحة الفضلى للأطفال، إلى أهمية الحفاظ على هوية هؤلاء الأطفال والعمل على استعادتها، وهذا يشمل جنسياتهم المعترف بها قانونيا وروابطهم العائلية. كما أشارت هذه الفقرة إلى ما يطبق في بعض الدول الأطراف من نظام خاص للتبني أو القوامة على الأطفال، وأكدت على ضرورة مراجعة إجراءات التبني أو القوامة على الأطفال إذا اقتضت الضرورة ذلك، بل ذهبت هذه الفقرة إلى أبعد من ذلك إذ نصت على "إلغاء أية حالة من حالات تبني الأطفال أو القوامة عليهم تكون قد نشأت عن حالة اختفاء قسري".

وعادت الفقرة 5 من المادة 25 من الاتفاقية لتؤكد على "مصلحة الطفل الفضلى". كما أعطت للطفل القادر على التمييز "الحق في إبداء رأيه بكل حرية ويؤخذ هذا الرأي في الاعتبار على النحو الواجب مع مراعاة عمره ودرجة نضجه".

ونشير هنا إلى مصطلح "مصلحة الفضل الفضلى" الذي ركّزت عليه هذه المادة 25 من الاتفاقية، ونذكر كذلك بما نصت عليه اتفاقية حقوق الطفل التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 20/11/1989، ودخلت حيز النفاذ في 2/9/ 1990. وصادقت سورية على هذه الاتفاقية في 15/7/1993. فقد تكررت عبارة "مصلحة الطفل الفضلى" على سبيل المثال في المواد: 3، و9، و18، و21 من هذه الاتفاقية الدولية.

المبحث الثاني

آلية الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري

تتمثل آلية هذه الاتفاقية الدولية بتأليف اللجنة المعنية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري (المطلب الأول)، كما تتمتع هذه اللجنة المعنية بالعديد من الاختصاصات (المطلب الثاني).

المطلب الأول

تأليف اللجنة المعنية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري

كرست الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري الجزء الثاني منها (المواد من 26 إلى 36) للبحث في تأليف هذه اللجنة المعنية وتبيان اختصاصاتها.

تتألف هذه اللجنة، حسب المادة 26 من الاتفاقية الدولية، من 10 خبراء يتم اختيارهم بالاقتراع السري لقائمة من أشخاص ترشحهم الدول الأطراف في هذه الاتفاقية. وتكون ولاية هؤلاء الأعضاء لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط. ويوجد حاليا خبيرا عربيا من المملكة المغربية عضوا في اللجنة12.

ويجب أن يكونوا من المشهود لهم "بالنـزاهة والكفاءة المعترف بها في مجال حقوق الإنسان، يكونون مستقلين ويعملون بصفتهم الشخصية وبحيادية كاملة". ويتم انتخابهم "وفقا للتوزيع الجغرافي العادل. وتوضع في الاعتبار الأهمية التي يشكلها اشتراك ذوي الخبرة القانونية ذات الصلة في أعمال اللجنة، والتوزيع المتوازن للرجال والنساء داخل اللجنة" (الفقرة الأولى من المادة 26). وتتشابه هذه الشروط مع شروط تأليف كل اللجان المعنية لحماية حقوق الإنسان13.

المطلب الثاني

اختصاصات اللجنة المعنية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري

حددت مواد الجزء الثاني من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، اختصاصات هذه اللجنة، والتي يمكن تقسمها كما يلي:

أولا: التعاون والتشاور

حيث تقوم هذه اللجنة بالتعاون والتشاور مع "جميع الأجهزة، والمكاتب، والوكالات المتخصصة، والصناديق المناسبة التابعة للأمم المتحدة، واللجان المنشأة بموجب صكوك دولية، والإجراءات الخاصة للأمم المتحدة، والمنظمات أو المؤسسات الإقليمية الحكومية الدولية المعنية، ومع جميع المؤسسات والوكالات والمكاتب الوطنية ذات الصلة التي تعمل على حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري" (المادة 28).

تسمح هذه المادة 28 للجنة الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري بالتعاون مع المؤسسات الدولية وكذلك الوطنية بقصد القيام بواجباتها. وستسمح مصادقة الجمهورية العربية السورية على هذه الاتفاقية بدراسة حالات الاختفاء التي ذهب ضحيتها العديد من السوريين في خلال سنوات الثورة. ويمكن لها على سبيل المثال التعاون والتشاور من الهيئة الوطنية للمفقودين التي تم تأسيسها بتاريخ 17/5/2025 بفضل مرسوم رئاسي بالاستناد إلى احكام الإعلان الدستوري المؤقت14.

ثانيا: تلقي التقارير ودراستها

يجب على كل دولة طرف في هذه الاتفاقية الدولية، أن تقدم لهذه اللجنة، في غضون سنتين من نفاذ الاتفاقية في حقها، تقريرا عن تطبيق التزاماتها بموجب هذه الاتفاقية. وتقوم اللجنة من جهتها بدراسة هذه التقارير، ويجوز لها طلب معلومات تكميلية (المادة 29).

ثالثا: البحث عن الأشخاص المفقودين

أجازت المادة 30 من الاتفاقية "لأقارب الشخص المختفي، أو ممثليهم القانونيين، أو محاميهم أو أي شخص مفوض من قبلهم وكذلك لأي شخص آخر لـه مصلحة مشروعة، أن يقدموا، بصفة عاجلة، طلبا إلى اللجنة من أجل البحث عن شخص مختف والعثور عليه". وهي مقاربة جديدة ومتميزة في الآليات التعاقدية لحماية حقوق الإنسان من خلال السماح بالتقدم بطلبات عاجلة للجنة في حال الاختفاء القسري للأشخاص.

وتكمن أهمية هذا الاختصاص، حسب رأينا، بأنه اختصاص "مفتوح" بمعنى أن اللجنة تستطيع أن تباشر البحث عن كل الأشخاص المختفيين بغض النظر عن تاريخ اختفائهم أو تاريخ مصادقة دولة ما على هذه الاتفاقية. وهو موضوع هام في الحالة السورية حيث لا يزال يعتبر عدد كبير من السوريين باختلاف أجناسهم وأعمارهم في حالة اختفاء قسري. وستسمح مصادقة سورية على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري للجنة هذه الاتفاقية بالبحث عن المفقودين السوريين وغيرهم، ويمكن أيضا لهذه اللجنة أن تتعاون مع المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية والتي أسستها منظمة الأمم المتحدة15، هذا من جهة. وأن تتعاون أيضا مع الهيئة الوطنية للمفقودين والتي تم تأسيسها في سورية عام 2025.

رابعا: تلقي البلاغات الفردية وبحثها

تركت المادة 31 من الاتفاقية الخيار للدول الأطراف فيها، عند التصديق عليها أو بعده، بالاعتراف باختصاص هذه اللجنة "بتلقي وبحث البلاغات المقدمة من الأفراد الذين يخضعون لولايتها أو المقدمة بالنيابة عن أفراد يخضعون لولايتها ويشتكون من وقوعهم ضحايا لانتهاك هذه الدولة الطرف لأحكام هذه الاتفاقية". ولا تقبل اللجنة أي بلاغ يهم دولة من الدول الأطراف لم تعلن هذا الاعتراف، وتتشابه شروط تقديم هذه الشكاوى "الفردية" مع الشروط المطلوبة لتقديم الشروط الخاصة بتقديم البلاغات والشكاوى الفردية بشكل عام. وغنى عن التذكير بأن على سورية الاعتراف باختصاص هذه اللجنة المعنية بقبول الشكاوى الفردية وهو ما سيعزز من دور هذه اللجنة، كما أنه سيساعد الهيئات السورية المختصة والمهتمة بقضايا الاختفاء القسري بالقيام بمهامها.

خامسا: تلقي البلاغات الحكومية وبحثها

وأجازت المادة 32 من الاتفاقية بدورها لدولة طرف أن تقدم بلاغا ضد دوله طرف أخرى لا تلتزم بالوفاء بالتزاماتها بموجب الاتفاقية بشرط أن تقبل هذه الدولة الأخير تقديم البلاغات الحكومية ضدها. ويجب أيضا أن تقبل سورية بتقديم بلاغات حكومية ضدها طالما أن السلطات الحكومية والهيئات المختصة تعمل بكل شفافية وتحترم الالتزامات المفروضة عليها.

سادسا: القيام بالزيارات الميدانية

أضافت المادة 33 من الاتفاقية مهمة جديدة للجنة وتتمثل بقيام واحد أو أكثر من أعضائها بزيارة دولة معنية طرف في الاتفاقية إذا "بلغ اللجنة، بناء على معلومات جديرة بالتصديق، أن دولة طرفا ترتكب انتهاكا جسيما لأحكام هذه الاتفاقية"، وذلك بعد التشاور مع هذه الدولة.

سابعا: عرض مسألة اختفاء قسري على الجمعية العامة للأمم المتحدة

أعطت المادة 34 من الاتفاقية للجنة إمكانية عرض مسألة اختفاء قسري على الجمعية العامة للأمم المتحدة إذا تلقت "معلومات يبدو لها أنها تتضمن دلائل تقوم على أسس سليمة وتفيد بأن الاختفاء القسري يطبق بشكل عام أو منهجي على الأراضي الخاضعة لولاية إحدى الدول الأطراف". ويجوز لها أن تطلب من الدولة الطرف المعنية كل المعلومات التي لها علاقة بهذه المسألة.

خاتمة

تُعّد الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري والتي تم اعتمادها منذ عقدين من الزمن من بين آخر الاتفاقيات الدولية الأساسية التي اعتمدها الجمعية العامة للأمم المتحدة في مجال حماية الإنسان. ولا يخفى على أحد أهمية الموضوع الذي تعالجه هذه الاتفاقية وحساسيته ولا نبالغ إذا قلنا بأن العديد من بلدان العالم، ومن بينها البلدان العربية، تعاني من قضايا الاختفاء القسري وما يترتب عليه من نتائج سلبية وخطيرة إنسانيا، واجتماعيا.

وتطرقت العديد من البحوث والدراسات لموضوع هذه الاتفاقية الدولية، ويمكن أن نذكر بأهم النقاط التي أشارت إليها المفوضية السامية لحقوق الإنسان والتي نصت عليها الاتفاقية الدولية:

"1- عدم تعرّض أي شخص من دون أي استثناء للاختفاء القسري، حتى في أوقات الحرب أو غيرها من حالات الطوارئ العامة.

2- إلزام الدول الأطراف بتجريم الاختفاء القسري وجعله جريمة يعاقب عليها القانون.

3- التأكيد على أن الاختفاء القسري يشكل جريمة ضد الإنسانية عندما يُمارس على نطاق واسع أو بطريقة منهجية.

4- إلزام الدول بالبحث عن الأشخاص المختفين، والتحقيق في اختفائهم، وتمكين الضحايا من الوصول إلى العدالة وجبر الضرر.

5- إلزام الدول على تقديم أكبر قدر ممكن من المساعدة القانونية المتبادلة والتعاون في البحث والتحقيق.

6- حظر الاعتقال السري.

7- إلزام الدول الأطراف بضمان المعايير القانونية الدنيا المتعلّقة بالحرمان من الحرية، مثل الاحتفاظ بسجلات رسمية للأشخاص المحرومين من الحرية تنطوي على حدّ أدنى من المعلومات والسماح لهم بالاتصال بأسرهم أو محاميهم أو أي شخص آخر يختارونه"16.

وتبقى مصادقة الجمهورية العربية السورية على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري خطوة ضرورية وملحة وحيوية، وبخاصة بعد التحرير وفي مثل هذه الأوضاع الصعبة التي تعيشها العديد من العائلات السورية ضحايا الاختفاء القسري لأبنائها وأقاربها وأهاليها.

كما ستعزز هذه المصادقة آلية عمل الهيئة الوطنية للمفقودين في سورية، وستساعدها على القيام بعملها، وتفتح لها آفاق للتعاون من اللجنة المعنية المنبثقة عن هذه الاتفاقية الدولية، ويضع تحت تصرفها خبرات أعضاء هذه اللجنة وتقاريرها.

ونشير في المقابل بأن مصادقة الجمهورية العربية السورية على هذه الاتفاقية الدولية سيزيد من الأعباء القانونية والمالية والاجتماعية على مختلف وزارات الجمهورية، وسيتطلب منها التعاون بينها والعمل الدؤوب لاحترام الالتزامات التي تفرضها عليها هذه الاتفاقية الدولية ومن بينها تقديم التقارير الدورية إلى اللجنة المعنية التي أسستها هذه الاتفاقية. وسيكون تحديا جديدا، إلى جانب تحديات أخرى، تواجهها هذه الوزارات، ولكن لا بد من المصادقة على هذه الاتفاقية، وتنفيذ الالتزامات المنبثقة عنها، والقيام بكل ما مطلوب. ويجب أن يتم ذلك إذا أردنا أن نتحدث بالفعل عن سورية الجديدة التي تريد أن تقطع مع ما عرفته في خلال نصف قرن من تاريخها المعاصر من مختلف الانتهاكات الجسيمة والخطيرة لحقوق الإنسان، وأن يتم بالفعل فتح صفحة جديدة يكتب من بينها أسطرها التزام الجمهورية العربية السورية ومصادقتها على الاتفاقيات الأساسية في مجال حماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.



[1] انظر، حالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي، الرسالة رقم 6، جنيف، الأمم المتحدة.

[2] نجد من بين الدول العربية التي صادقت على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري كل من: تونس، والجزائر، وجزر القمر، والسودان، والعراق، وعُمان، ولبنان، والمغرب، وموريتانيا.

[3] انظر نصوص هذه الصكوك في: المعاهدات الدولية الأساسية لحقوق الإنسان، مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، الأمم المتحدة، نيويورك، جنيف، 2006.

[4] E/CN.4/2003/7.

[5] E/CN.4/2004/59.

[6] E/CN.4/2005/66.

[7] E/CN.4/2006/57.

[8] نذكر بأن هناك إدارة لجبر الضرر في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية التي صدر مرسوم رئاسي تاريخ 17/5/2025 المتعلق بتشكيلها.

[9] يمكن الاطلاع على توصيف الجريمة ضد الإنسانية على سبيل المثال في نظام المحكمة الجنائية الدولية، انظر محمد أمين الميداني، "سورية الجديدة والمحكمة الجنائية الدولية"، نُشرت هذه الدراسة على موقع المركز العربي للتربية على القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان: على الرابط، تاريخ: 5/1/2025:

https://acihl.org/articles.htm?article_id=85

[10] انظر محمد أمين الميداني، "نحو استراتيجية وطنية سورية للوقاية من التعذيب ومناهضته"، نُشرت هذه الدراسة على موقع المركز العربي للتربية على القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان على الرابط، تاريخ النشر 14/5/2026:

https://acihl.org/articles.htm?article_id=98

[11] انظر، طالب الشياب، زياد الجفال، فيصل الشوابكة، "الجريمة السياسية وآثارها على الحقوق والحريات المعلنة. دراسة تحليلية في ضوء الدساتير والتشريعات العربية والاتفاقيات الدولية"، كلية القانون، جامعة العين، الإمارات العربية المتحدة، على الرابط، تاريخ الاطلاع: 13/7/2026:

https://journal.aau.ac.ae/files/1747629949_full_article.pdf

[12] انظر بخصوص مشاركة بعض البلدان العربية ومواقفها في هذه اللجنة المعنية:

Emmanuel DECAUX, « Les membres de la Ligue des Etats arabes et la Convention internationale pour la protection de toutes les personnes contre les disparitions forcées », Revue Arabe du Droit International Humanitaire et des Droits Humains, Strasbourg, n° 4, décembre 2021, pp. 333-348.

[13] انظر، محمد أمين الميداني، "التعريف بالآليات التعاقدية الدولية لحماية حقوق الإنسان"، (مجلة الجنان لحقوق الإنسان)، مجلة أكاديمية محكمة نصف سنوية تصدر عن قسم حقوق الإنسان في جامعة الجنان، طرابلس، لبنان، عدد 8، حزيران/يونيو، 2015، ص 9-56.

[14] انظر بخصوص الإعلان الدستوري المؤقت، محمد أمين الميداني، "الإعلان الدستوري السوري وسيادة القانون"، نُشرت هذه الدراسة على موقع المركز العربي للتربية على القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، ستراسبورغ، فرنسا، تاريخ النشر 25/3/2025:

https://acihl.org/articles.htm?article_id=90

[15] انظر الرابط، تاريخ الاطلاع: 28/6/2026:

https://iimp.un.org/ar/home

[16] انظر، تاريخ الاطلاع: 26/6/2026:

https://www.ohchr.org/ar/treaty-bodies/ced/background-international-convention-protection-all-persons-enforced-disappearance

back